سراب العبور في الفنيدق..صدام التطلعات بوهن السياسة وغياب التنسيق الإقليمي

sadaalbarlaman4 أغسطس 2026
سراب العبور في الفنيدق..صدام التطلعات بوهن السياسة وغياب التنسيق الإقليمي

بقلم: عبد العزيز برحايل*-تاونات :”صدى البرلمان”// -لم تكد تنقضي الأيام الأخيرة من شهر يوليوز 2026، وتحديداً في الفترة الممتدة بين الثاني والعشرين والثلاثين منه، حتى استيقظ الرأي العام على مشاهد تدفق جماعي غير مسبوق هز شواطئ الفنيدق ومحيطها.

بلغت موجة النزوح نحو مدينة سبتة ذروتها التاريخية يوم 30 يوليوز، لتتحول المنطقة إلى مسرح مفتوح لعمليات عبور كبرى، سجلت دخول ما بين 50 ألفاً و60 ألف شخص براً وبحراً في غضون ساعات قليلة. ولم تقتصر هذه المشاهد على كونها لقطات إخبارية عابرة، إنما مثلت فاجعة إنسانية حصدت أرواح ما لا يقل عن 67 غريقاً ابتلعتهم الأمواج وهم يطاردون سراباً قاتلاً.

يضع هذا الحدث، الذي انتهى باحتواء الوضع وعودة أكثر من 48 ألف شخص مطلع غشت، مرآة كاشفة أمام المجتمع ومؤسساته، ويسائل بعمق نجاعة السياسات العمومية، وآليات التدبير، وطبيعة الشراكات الإقليمية التي أظهرت افتقاراً مقلقاً للشفافية والتنسيق.

تقتضي القراءة المتأنية لهذه الفاجعة توجيه بوصلة التحليل نحو فاعل حاضر بقوة في مسار الأحداث، وغائب في التناول الإعلامي؛ ألا وهو الجانب الإسباني.

شكل الفهم الخاطئ لحكم المحكمة العليا الإسبانية، الصادر مطلع يوليوز والذي يمنع الإعادة الفورية للمهاجرين المعترضين في البحر، شرارة أذكت هذا التدفق وأعطت انطباعاً واهماً بوجود فرصة مواتية للعبور. ورغم احتفاظ إسبانيا بسيادتها المطلقة في تشريع قوانينها، يعد غياب التنسيق الاستباقي والمحكم مع المغرب، شريكها الإستراتيجي وجارها الأقرب، هفوة جسيمة.

يحتم الجوار مسؤولية أخلاقية وسياسية مشتركة، ويظل تجاهل العديد من المنابر الإعلامية لغياب المقاربة التشاركية الإسبانية في تغذية هذا الوهم أمراً مؤسفاً؛ فالشراكة الناجعة مع الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن تقتصر على الهاجس الأمني وحراسة الحدود، بل تتطلب بالأساس عملاً تشريعياً وميدانياً متكاملاً يحمي الأرواح.

على الصعيد الداخلي، يتطلب الغوص في جذور المعضلة الابتعاد عن التفسيرات التبسيطية. لم تكن هذه الهجرة مدفوعة بـ”الجوع” أو انعدام مقومات العيش الأساسية؛ إذ راكم المغرب مقدرات هامة وتحول إلى رقم جيوسياسي وازن لا يمكن تجاوزه.

تكمن المفارقة الأعمق في اتساع الفجوة بين تطلعات المغاربة، التي ارتفع سقفها بفعل تسويق الإنجازات الماكرو-اقتصادية والمشاريع المهيكلة، وبين حالة سوسيو-اقتصادية لا تزال تشكو من اختلالات في التوزيع العادل للثروة.

يعمق هذا التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي الحافل بالوعود والواقع المعيشي المحبط، قصوراً حاداً في الوساطة السياسية؛ فالغياب الفعلي لنخب قادرة على التأطير، وتغليب بعض الفاعلين للمصالح الضيقة، أفرز شرخاً في الثقة مس التشكيلات الحزبية، ودفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى التشكيك في جدوى الممارسة السياسية التقليدية.

وفي ظل هذا الفراغ المؤسساتي وانحسار دور النخب المؤطرة، احتلت منصات التواصل الاجتماعي صدارة المشهد، مبرهنة على قدرة تأثير وتعبئة تفوق نظيرتها لدى الجهات الرسمية. استطاعت إشاعات متفرقة عبر تطبيقات مثل “ديسكورد”، روجت لفتح الحدود، أن تحشد عشرات الآلاف في ساعات معدودة، دافعة إياهم لترك منازلهم نحو المجهول.

يطرح هذا المعطى مخاطر أمنية واجتماعية غير مسبوقة، ويسلط الضوء على الهشاشة التي تعتري منظومة الأمن السيبراني والاجتماعي. يشكل ترك فئات واسعة، لاسيما الشباب والقاصرين، عرضة للتضليل وحملات الوهم الافتراضي تهديداً جدياً للاستقرار، مما يحتم إعادة النظر في آليات التحصين الرقمي وعدم ترك الوعي الجماعي رهينة لخوارزميات مجهولة المصدر.

يتطلب تفكيك هذه التعقيدات المتشابكة إدراكاً حقيقياً بأن الأوراش الكبرى تتجاوز تشييد البنيات التحتية إلى الورش الأهم والأكثر إلحاحاً، وهو بناء الإنسان. يستدعي ما أظهرته الواقعة من هشاشة نفسية واجتماعية تدخلاً جذرياً يعيد بناء ثقة المواطن في ذاته ووطنه. يضعنا هذا المنعطف أمام حتمية تفعيل التربية على المواطنة، ورد الاعتبار للمجتمع المدني الجاد ليقوم بدوره الطلائعي في تأطير الشباب واحتضان طموحاتهم.

 ومن هذا المنطلق، تبرز قطاعات التعليم والصحة كأولويات وطنية قصوى لا تقبل التأجيل، وهو التوجه الإستراتيجي الذي ما فتئ عاهل البلاد يؤكد عليه في خطاباته، جاعلاً من الرأسمال البشري ركيزة أساسية لأي إقلاع. يظل الاستثمار الفعلي في تأهيل المواطن المخرج الآمن لبناء مناعة مجتمعية صلبة قادرة على الصمود وامتصاص الصدمات.

تتجاوز أحداث الفنيدق مجرد كونها محطة عابرة لتشكل جرس إنذار يستوجب استنفار كافة الطاقات الوطنية. يتمثل الرهان الأكبر اليوم في العمل بمسؤولية لترميم فكرة المغرب واستعادة صورته كبلد صاعد قادر على ترجمة أمجاده إلى واقع يومي يعيشه أبناؤه.

يتطلب هذا المسار معالجة الجروح الرمزية، لاسيما الشعور بالدونية الذي يتسرب إلى النفوس، والذي استشعره بمرارة أبناء الجالية المغربية وهم يتابعون مشاهد التدفق والإنقاذ. ورغم حجم العقبات وضخامة أوراش الإصلاح، تنطلق البداية الحقيقية حتماً من مواجهة كل الأطراف بمسؤولياتها، وجعل كرامة الإنسان محوراً وهدفاً أسمى لكل تخطيط إستراتيجي، من أجل صياغة أفق يستوعب طموحات الجميع ويحصن مكتسبات الوطن.

عبد العزيز برحايل: إعلامي مقيم بتاونات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة