بقلم ذة. سليمة فرجي وذ. مصطفى بن شريف-وجدة:”صدى البرلمان”//يمكن التأكيد بداية، بأن المحكمة الدستورية، لا تكتفي بتطبيق الدستور والقوانين التنظيمية، بمناسبة فحصها لدستورية القوانين، و إنما تراكم، من خلال قراراتها، التأسيس لاجتهاد قضائي دستوري خاص، يمكن أن يشكل مسارا اجتهاديا متحركا لمدرسة دستورية مغربية يؤخذ به في النوازل الدستورية.
والقرار المتعلق بقانون المحاماة مثال قوي على ذلك، فإنه وإن لم يتناول مضمون القانون بعد،إلا أنه حدد شروط ممارسة المحكمة نفسها لاختصاصها، من الناحيتين الاجرائية والموضوعية.
وما الذي يميز هذه المدرسة الدستورية؟
أولاً، هناك انتقال من الرقابة على النص، إلى الرقابة على المسار الدستوري المسطري لإنتاج النص.
والمحكمة الدستورية لا تعاين فقط، هل القانون مطابق أم مخالف للدستور؟
بل تسائل،هل وصل أو أحيل إليّها القانون، بالطريقة الصحيحة إجرائيا، تمكنها دستورياً من ممارسة رقابتها عليه؟ لأن مراقبة دستورية القوانين تشمل مراقبة القانون في إجراءاته و جوهره.
وهذا واضح في القرار الصادر بشأن قانون المحاماة، حيث اعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق النص النهائي محل الرقابة الدستورية، بناء على إحالة صادرة عن رئيس مجلس النواب، يحول دون ممارسة اختصاصها ضمنيا و لو لم تصرح بذلك صراحة.
وهذا ليس تفصيلاً تقنياً؛ إنه تكريس لفكرة أن الدستور، يحكم عملية إنتاج القانون، وليس فقط مضمونه، وأن المحكمة الدستورية تنظر بصفة أولية في الجانب الاجرائي قبل النظر في العيوب الجوهرية للقانون، و هو الأمر الذي لم يتحقق مع القانون المنظم لمهنة المحاماة، لتعذر ذلك بسبب عدم احالة نص القانون كما صادق عليه مجلسي البرلمان.
ولما كان الدستور واجب التطبيق في نصه و روحه، فإن المحكمة الدستورية ملزمة بمراعاة ذلك لدى نظرها في القضايا التي تعرض عليها، و هو المبدأ الذي طبقته في حالة قانون المحاماة، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 819/11 و.ب، بتاريخ: 16 نونبر 2011).
و من جهة أخرى، إن تحقيق الأهداف الواردة في الدستور يجب أن يتم دون الاخلال بالمبادئ الدستورية، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 943 بتاريخ: 25 يوليوز 2014)، و ضمن نسق متكامل لمبادئ الدستور و أهدافه، (راجع قرار المجلس الدستوري عدد: 817/2011، بتاريخ: 13 أكتوبر 2011).
و بناء عليه، و لما كانت المحكمة الدستورية قد تعذر عليها البت في دستورية قانون مهنة المحاماة وفقا للشكل المحال عليها، الأمر الذي يستدعي طرح تساؤلات مبدئية:
ü هل يتعين لزوما على رئيس مجلس النواب تصحيح مسطرة الإحالة و إعادتها إلى المحكمة الدستورية للبت في دستورية قانون مهنة المحاماة؟
ü في حالة رفض رئيس مجلس النواب لذلك، الا يعتبر تنازلا ضمنيا عن الإحالة و عن إستكمال شروط الاحالة؟ و هل يحق له ذلك؟
ü هل يحق لباقي أصحاب الصفة في إحالة القانون على المحكمة الدستورية تطبيقا للفقرة 3 من الفصل 132 من الدستور؟ و هل يوجد أجل تفيد ذلك الحق؟
هذه الأسئلة و غيرها، سنتولى الإجابة عليها بشكل مركز، استنادا إلى المبادئ و القواعد الدستورية و إلى اجتهادات القضاء الدستوري كلما دعت الضرورة لذلك.
أولا: من حيث الوقائع:

بادر رئيس مجلس النواب إلى إحالة القانون رقم: 23.66، المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، على المحكمة الدستورية، و المسجلة بامانتها العامة بتاريخ: 08 يوليوز 2026،و ذلك تطبيقا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، في إطار ممارسته لحق الإحالة الاختيارية، لكون النص التشريعي المحال يندرج ضمن مجال القانون العادي، من أجل البت في مطابقته للدستور.
و بناء على الإحالة الاختيارية المذكورة، باشرت المحكمة الدستورية اختصاصها المسند إليها بموجب الدستور و القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، للنظر في دستورية مواد القانون من عدمها.
و نظرا لكون المحكمة الدستورية تمارس رقابة مركزية شاملة على القانون الذي يحال عليها، من حيث الشكل و من حيث الموضوع، فإنها تتولى بصفة أولية، فحص الاجراءات التي تم اتباعها من طرف الحكومة و البرلمان لاقرار القانون، بعد الاطلاع على الوثائق المدرجة بالملف، لمعاينة ما اذا كانت سليمة و مطابقة للمسطرة التشريعية أم لا.
و بناء على الإحالة الاختيارية المتوصل بها من طرف المحكمة الدستورية، طلبت هذه الاخيرة من رئيس الحكومة و رئيسي مجلسي البرلمان، الادلاء بملاحظاتهم الكتابية، و تبعا لذلك، تم إيداع ملاحظات كتابية صادرة عن رئيس الحكومة و رئيس مجلس المستشارين وعضوات و أعضاء في مجلسي البرلمان المتوصل بها من طرف المحكمة الدستورية بتاريخ: 20 و 22 يوليوز 2026.
و تأسيسا على ما ذكر، تولت المحكمة الدستورية فحص وثائق الملف، و ثبت لها، بأن رسالة الإحالة، ارفقت بنسخة من تقرير لجنة العدل و التشريع و حقوق الانسان بمجلس المستشارين، في إطار القراءة الثانية لمشروع القانون، يتضمن مجموعة من الوثائق، من بينها مشروع القانون رقم: 23.66، كما وافق عليه مجلس النواب في إطار قراءة ثانية بتاريخ: 06 يوليوز 2026، و لم ترفق بنص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في إطار قراءة ثانية بتاريخ: 07 يوليوز 2026.
أنه و بعد دراسة الملف، و الإطلاع على الوثائق، و ملاحظات رئيس الحكومة،و رئيس مجلس المستشارين، و عضوات و أعضاء في مجلسي البرلمان، اعتبرت القضية جاهزة للبت فيها، و تم الاستماع إلى تقرير العضو المقرر، و المداولة طبقا للقانون، أصدرت قرارها القاضي بالتصريح “بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم: 23.66 المتعلق بمهنة المحاماة للدستور، على حالها“.
ثانيا: في مضامين و مرتكزات تعليل قرار المحكمة الدستورية:
جاء في قرار المحكمة الدستورية، بأن الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، تنص بأن الجهات التي يحق لها إحالة القوانين عليها قبل إصدار الأمر بتنفيذها، لتبت في مطابقتها للدستور، هي: الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين.
و من جهة ثانية، اوضحت المحكمة الدستورية في قرارها، بأن المادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، تنص بصفة خاصة أن تكون إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قصد البت في مطابقتها للدستور، طبقا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 منه، برسالة صادرة عن أصحاب الصفة ممن يملكون حق الإحالة.
و بناء على ما ذكر، أكدت المحكمة الدستورية، أنه و لما كانت أحكام الدستور و القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، و اعمالا لمبدأ الترابط و التكامل بين أحكام الدستور و القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وعلاقة بموضوع الإحالة، أعلنت المحكمة بأنها لا تمارس رقابتها في إطار الآلية المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، إلا على القوانين بعد تمام الموافقة عليها و المحالة إليها برسالة أو برسائل، و ليس تقارير اللجان البرلمانية الدائمة و مشاريع القوانين، و نظرا لكون الجهة المحيلة (رئيس مجلس النواب) اكتفى بارفاق رسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة برلمانية، مرفق بمشروع القانون المذكور، قبل تمام الموافقة عليه، و هو الأمر الذي لا يمكن المحكمة من بسط رقابتها على القانون المطلوب البت في مطابقته للدستور.
و هكذا، أبرز القرار، بأن المحكمة الدستورية لا تمارس رقابتها على دستورية القوانين، في إطار الرقابة السابقة الاختيارية، إلا في الحدود التي رسمها الدستور، و وفق الكيفيات و الإجراءات الشكلية و الجوهرية التي يحددها القانون التنظيمي لها، و على أساس الوثائق المحالة إليها من طرف جهة الإحالة.
أنه و اعتبارا لعدم إرفاق الجهة المحيلة لرسالة الإحالة، بنسخة مطابقة لأصل نص القانون المراد مراقبة دستوريته، يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، و يشكل مانعا قانونيا يحول دون بت المحكمة الدستورية في القضية المعروضة عليها، و رتبت على ذلك جزاء، يتمثل في التصريح بتعذر البت في الإحالة.
و تبعا لكل ما ورد في تعليل قرار المحكمة الدستورية، الذي تم تأسيسه على الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، و خلصت إلى التصريح بتعذر البت في دستورية القانون رقم: 23.66 المتعلق بمهنة المحاماة، لسبب بسيط، و هو عدم إرفاق رسالة الإحالة نسخة مطابقة للأصل من نص القانون المطلوب مراقبة دستوريته.
لكن، و مهما يكن من أمر ما ورد في تعليل القرار من أسباب تبرر صدوره، إلا أن عدم إرفاق رسالة الإحالة بالوثائق الكاملة، لتمكين المحكمة الدستورية من بسط رقابتها على نص القانون، لا يحول دون المطالبة بها من طرف المحكمة الدستورية، إعمالا لمبدأ التعاون بين المؤسسات الدستورية، لأن المطالبة بنسخة طبق الأصل من القانون موضوع الإحالة، ليس من شأنه المساس باستقلالية المحكمة الدستورية، علما أنه توجد سوابق في هذا الباب، كما حصل مثلا مع قانون المسطرة المدنية ([1])، (راجع قرار المحكمة الدستورية رقم: 255/25 م.د، بتاريخ: 4 غشت 2025).
و بناء عليه، يتبين بأن المحكمة الدستورية لم تتبع المنهجية التي سلكتها مع الاحالة المتعلقة بقانون المسطرة المدنية، بل أنها بادرت إلى استحضار النسخة النهائية للقانون بعد ان كانت قد توصلت بمشروع قانون، و بناء على ذلك مارست رقابتها الدستورية عليه.
و إذا كان التساؤل مشروع، فإنه في حالة قانون المحاماة، ربما أن الظرفية و الشروط المحيطة بالقانون المذكور، هي من دفعت المحكمة الدستورية إلى تبني نظرية “تعذر البت“، للأسباب المذكورة أعلاه، و التي يمكن تفسيرها بأنها جاءت مبنية على الروح السياسية للدستور عوض أن تكون مؤسسة على قواعد المشروعية الدستورية، مادام ان المحكمة الدستورية تمارس الرقابة السياسية القبلية على القوانين و هي إما اجبارية او اختيارية.
ثالثا: قراءة في آثار قرار المحكمة الدستورية و الحلول الدستورية لأزمة مسطرية:

ان قرار المحكمة الدستورية، بشأن قانون المحاماة، صرح بأنه يتعذر البت فيه في إطار إعمال الرقابة الدستورية الاختيارية، بسبب عدم إرفاق الإحالة بنسخة مطابقة للأصل من نص القانون، كما صادق عليها مجلسي البرلمان بصفة نهائية.
بمعنى، أن المحكمة الدستورية، تعذر عليها البت في دستورية القانون المحال عليها، في ظل عدم توفرها على النص النهائي للقانون، موضوع الإحالة الاختيارية من أجل مطابقته للدستور.
و بناء عليه، تكون المحكمة الدستورية، قد أصدرت قرارا، لا يمس بالرقابة الدستورية الموضوعية، لأنها لم تنظر في مواد القانون المحال عليها، أو أنها صرحت بمطابقتها للدستور، أو أنها مخالفة لأحكامه، الأمر الذي يفيد بأن الرقابة الدستورية لم تستغرق بعد شرطها الموضوعي.
- من حيث بت المحكمة الدستورية ضمنيا في قبول الإحالة الاختيارية:
مبدئيا تتبع المحكمة الدستورية منهجية واضحة بمناسبة إصدار قراراتها، تتمثل في التأكد من انعقاد اختصاصها، و من قيام الشروط و الإجراءات التي تحكم كل قانون (قانون تنظيمي أو قانون عادي)، و بعد ذلك تنتقل إلى الموضوع (الرقابة على دستورية القوانين).
و من خلال الرجوع إلى قرار المحكمة الدستورية، يتبين منه، بأنه و لما صرح بتعذر البت في الإحالة الاختيارية، فإن ذلك، يعني بته ضمنيا في قبولها من ناحية الشكل و الإجراءات، لأن مفهوم تعذر البت في مطابقة القانون للدستور، في غياب نص القانون، لعدم ارفاقه برسالة الإحالة، هو إقرار صريح بقبولها، و بالتالي لا يمكن اعمال أو تفسير تعذر البت بأنه بمثابة عدم قبول الإحالة، هذا تأويل غير سليم أو صحيح، بل أن قرار المحكمة الدستورية بت في قبول الإحالة الاختيارية شكلا، لكن تعذر عليها الانتقال إلى موضوع الرقابة الدستورية للسبب المذكور.
و لما كانت المحكمة الدستورية، قد قبلت الإحالة الاختيارية من ناحية الشكل و الإجراءات ضمنيا، و لو دون أن تصرح بذلك صراحة، فإن عدم إرفاق نص القانون مطابق لاصله، لا يدخل في مجال العيوب الشكلية، بل يمكن القول بانه يمثل إغفالا ماديا لوثيقة، كان بالإمكان المطالبة بها، لكن المحكمة الدستورية كان لها رأي آخر، خلافا لما نهجته في حالة قانون المسطرة المدنية (قانون عادي)، كما سبق التطرق إلى ذلك.
2- من حيث مناقشة أثر قرار المحكمة الدستورية و الحلول الدستورية:
يجب التأكيد، بأن قرار المحكمة الدستورية رقم: 277/26 الصادر بتاريخ: 10 غشت 2026 في الملف عدد: 317/26، هو قرار لم يبت في دستورية قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم: 66.23، كما قد يفهم البعض أو يفسره البعض الآخر بشكل خاطئ.
فالمحكمة الدستورية لم تصرح بأن القانون مطابق للدستور، كما لم تصرح بأنه مخالف له، لا ضمنا و لا صراحة، مما تبقى معه الرقابة الدستورية عليه مفتوحة، ما لم يصدر الأمر بتنفيذه من طرف الملك، تطبيقا لأحكام الفصل 50 من الدستور، و نشره بالجريدة الرسمية، و هو أمر جد مستبعد، لأن المسطرة الدستورية لم تستكمل بعد شروطها الموضوعية.
لكن، قرار المحكمة الدستورية افصح عن توجهات اجتهادية شديدة الدقة، لا ينفلت منها أي إجراء تقتضيه الرقابة الدستورية على القوانين، و التي تحولت إلى موضوع أكثر إثارة للأسئلة القانونية العميقة، و التي لا تجد الجواب عنها الا من خلال قانون المسطرة الدستورية المستمدة من أحكام الدستور و القوانين التنظيمية التي تعتبر امتدادا للدستور، و لا يمكن القياس على قواعد المسطرة المدنية كما يقول البعض.
و هكذا، فتعذّر البت في الإحالة، لا يعني تناول قرار المحكمة الدستورية لمضمون القانون، و إنما انصب على جانب ضيق من مسطرة إحالته إلى المحكمة الدستورية و هو المتعلق بالوثائق التي يتعين أن ترفق برساله الإحالة.
إن المحكمة الدستورية لم تمنح القانون المحال عليها، شهادة مطابقته للدستور، لأن الفصل 132 من الدستور يجعل مراقبة القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها اختصاصاً دستورياً للمحكمة الدستورية، متى تمت إحالتها إليها وفق الشروط المحددة دستورياً و قانونياً، و هو الأمر الذي لم يحصل بصفة شمولية، كما لا يمكن فصل دستورية القانون الموضوعية، عن دستورية المسطرة التي أُنتج بها، و هل تمت وفقا للإجراءات الدستورية أم لا.
و لذلك، فإن قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون المحاماة، رغم أنه لم يفصل في دستورية القانون من حيث الموضوع، قد يكون من أهم القرارات التي قد تؤثر مستقبلاً في تطور القضاء الدستوري المغربي، لأن القرار موضوع المناقشة، هو من القرارات الفريدة، رغم سبق توظيف المحكمة الدستورية لمفهوم “تعذر البت” في قرارات، لكن في قضايا أحيلت عليها و في مواضيع مختلفة لا يمكن القياس عليها ([2])، (راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 928 بتاريخ: 14 نونبر 2013).
(أ)- من حيث وجوب تصحيح الإحالة الاختيارية من جديد من طرف أصحاب الصفة :
تطبيقا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، يحق للملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس اعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، إحالة القوانين على المحكمة الدستورية للبت في دستوريتها.
ولما كان رئيس مجلس النواب، قد بادر إلى تفعيل الإحالة الاختيارية، و ثبت وفقا لقرار المحكمة الدستورية، أنها اتسمت بخلل مادي و ليس شكلي، لعدم ارفاقها بنسخة طبق الأصل من نص القانون، مما يتعين عليه دستوريا و اخلاقيا و سياسيا، إصلاح الوضع وفق الوارد في قرار المحكمة الدستورية، و احالة القانون من جديد عليها للنظر في دستوريته، لأن أجل الإحالة لا زال مفتوحا، ما دام أن الأمر بتنفيذه لم يصدر، و لا اعتقد بأنه سيصدر في ظل عدم بت المحكمة الدستورية في دستوريته من الناحية الموضوعية.
كما انه، لا شيء يمنع من مباشرة مسطرة الإحالة من طرف باقي أصحاب الصفة المنصوص عليهم في الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، بالنظر إلى أن أجل الاحالة الاختيارية مازال مفتوحا، لا ينتهي و لا يسقط إلا بصدور الأمر بتنفيذه، لأن القانون لا يكتسب وجوده القانوني، إلا إبتداء من تاريخ صدور الأمر بتنفيذه ([3]).
وهكذا، يمكننا القول دون عناء فكري، أنه من الوجوبي دستوريا و في إطار دولة القانون، أنه يتعين على رئيس مجلس النواب، أن يبادر إلى تصحيح الخلل الذي رافق رسالة الاحالة و تمكين المحكمة الدستورية من جميع الوثائق بما فيها نص القانون كما صادق عليه مجلسي البرلمان.
ومن جهة ثانية، فإن السؤال المركزي، هل يوجد في الدستور، ما يلزم رئيس مجلس النواب على تصحيح مسطرة الاحالة؟ الجواب، نعم، لما كان قد بادر إلى إحالة القانون على المحكمة الدستورية، فإن إرادته كمؤسسة كانت تروم إلى تطهير القانون من مثالب عدم الدستورية، و هو الأمر الذي يلزمه باستكمال إجراءات تصحيح الاحالة، مادام أن الرقابة الدستورية لم تستكمل شرطها الموضوعي، علما أن عدم اقدام رئيس مجلس النواب على تفعيل الاجراءات المؤدية لتصحيح مسطرة الاحالة، تعتبر بمثابة تنازل ضمني عن الاحالة، و هو الأمر الذي لا يجوز لما يلي:
ü أن الاحالة الاختيارية للقانون على المحكمة الدستورية، هو حق مستمد من الدستور، (الفصل 132 منه)؛
ü أن إحالة القوانين لمراقبة دستوريتها من النظام العام، لا يمكن التنازل عنها ضمنيا أو صراحة؛
ü أن الاحالة هي بمثابة خصومة عينية لنصوص القانون، يراد منها التأكد من مطابقتها للدستور من عدمها؛
و لما كانت قواعد و مبادئ الدستور من النظام العام، فإنه لا يجوز لرئيس مجلس النواب التنازل سواء ضمنيا أو صراحة عن احالة قانون، و هو المبدأ الذي أكد عليه المجلس الدستوري في قراره رقم: 937 بتاريخ: 29 مايو 2014 ([4]).
و في الأخير، نشدد بأن الرقابة التي مارستها المحكمة الدستورية، لم تستكمل بعد شروطها الدستورية، بالنظر إلى تصريحها لتعذر ذلك، و هو ما يفيد بأن القانون المحال عليها يستدعي وجوبا اقدام رئيس مجلس النواب على تصحيح الاحالة، و إرجاعها للمحكمة الدستورية للنظر في دستورية القانون، كما أن هذا الحق مازال مفتوحا لباقي أصحاب الصفة في ممارسة الاحالة الاختيارية، مادام أن الأمر بتنفيذ القانون لم يصدر بعد.
—————————————
هوامش:
[1] – جاء في قرار المحكمة الدستورية رقم: 255/2025 م.د، “و حيث إن رسالة إحالة السيد رئيس مجلس النواب (….)، و إن تضمن موضوعها “إحالة القانون المتعلق بالمسطرة المدنية في صيغته النهائية كما صادق عليها، مجلس المستشارين في قراءة ثانية”، فإن هذه الاحالة ارفقت بنسخة من مشروع قانون رقم: 02.23 يتعلق بالمسطرة المدنية”، الذي صادق عليها مجلس النواب (….)، و تبعا لذلك قامت هذه المحكمة باستحضار الصيغة النهائية للقانون كما صادق عليها مجلس المستشارين، و حيث إن الاحالة اقدمت من قبل رئيس مجلس النواب قبل اصدار الامر بتنفيذ القانون، مما يجعلها متقيدة بأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور.
2 – جاء قرار المجلس الدستوري رقم: 928 بتاريخ: 14 نونبر 2013، بأنه يتعين وجوبا إحالة النص الكامل للنظام الداخلي لمجلس المستشارين على المجلس الدستوري.
3 – راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 912 بتاريخ فاتح يناير 2013، الذي ورد فيه: (… إن القانون يكتسب وجوده القانوني إبتداء من تاريخ صدور الأمر بتنفيذه ….
4- راجع قرار المجلس الدستوري رقم: 937، و جاء فيه “يصرف النظر عن كون طلب التنازل عن احالة قانون … إلى المجلس الدستوري جاء موقعا من قبل رئيس فريق و ليس من طرف جميع أعضاء مجلس المستشارين الموقعين على رسالة الاحالة، فإن احالة القوانين على المحكمة الدستورية، (بغض النظر عن قبولها أو عدم قبولها)، لا ترمي إلى تحقيق مصلحة خاصة بالجهة المحيلة للقانون، بل تروم ضمان احترام مبدأ سمو الدستور الذي يعد، بموجب فصله السادس، من المبادئ الملزمة … و تبعا لذلك، فان مال القوانين المحالة إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقتها للدستور من قبل الجهات المحددة بالفقرة 3 من الفصل 132 من الدستور، لا يمكن التقيد فيه بالإرادة المنفردة للجهة المحيلة للقانون، الامر الذي يتعين معه رفص طلب التنازل …”.
*الأستاذة سليمة فرجي: محامية بهيئة وجدة و برلمانية سابقة.
* الدكتور مصطفى بن شريف : محام بهيئة المحامين بوجدة.














