مشاة مغاربة يغزون سبتة المحتلة…!!

sadaalbarlaman15 أغسطس 2026
مشاة مغاربة يغزون سبتة المحتلة…!!

ادريس الواغيش*-فاس:”صدى البرلمان”//-الهجرة فعل إنساني قديم يدخل ضمن قانون الطبيعة، لا أحد يمكن إيقافه. الفعل يبقى فعلا، له ما قبله، وعليه ما بعده من ردات فعل، قد تتشابه أحيانا، وتختلف في حالات أخرى، حتى لو كانت قرصة أذن خفيفة. كنا نسميها هجرة سرية عبر سبتة، صرنا نسميها هجرة علنية إلى سبتة المحتلة، ولكن الإسبان سموها غزوة مغربية…!!

قال بعض الإسبان أن مشاة مغاربة غزوا سبتة المحتلة بملابسهم المدنية، وأنهم قد لا يخرجون منها أبدا هذه المرة. فهل تكون بظاية ظهور ملامح ومؤشرات غزوة مباركة مستقبلا؟ سبتة عزيزة على كل المغاربة، والإسبان يحتلونها اليوم ضد منطق الأشياء، وغصبا في سجلات التاريخ، وهي تقول أن سبتة مغربية، وستعود يوما بكل تأكيد إلى موطنها الأم عاجلا أم آجلا، و سنحررها بدون سلاح إن شاء الله تعالى، كما فعلنا مع الصحراء المغربية. ولكن دعنا نفرق بين هذه الأمنية وما يفرضه الواقع اليوم فوق الأرض، وبين نظرة الإسبان لما جرى من أحداث في مدينة سبتة السليبة، ونفكك ما جرى من أحداث، وفق ما رأيناه وما ارتأيناه.

لم يكن هناك مزاح هذه المرة مع البحر، على مشارف سبتة المحتلة، وحدت زرقة مياهه في النجاة أو الغرق: الذكر والأنثى، الاشتراكي والشيوعي، الرأسمالي والليبرالي، العامل مع العاطل، الإسلاموي والملتحي مع من لا ملة له أو دين..!!
الواقع والمنطق الذي أعرفه بصفتي مغربيا يقول، أن المسألة ليست بهذه البساطة “غير آجي ونقز” إلى سبتة المحتلة، إن برا أو بحرا، مغاربة وأجانب. أعرف أن العين المغربية بكل أجهزتها الأمنية، بشرية وإلكترونية، يقظة ومفتوحة على الدوام سواء بالليل أو النهار، وهي لا تعرف النوم أبدا، ولا يغمض لها جفن على طول الشواطىء المغربية، بدءا من الكويرة جنوبا إلى أقصى الحدود في شاطئ السعيدية على الحدود الجزائرية شرقا. ولكن مع ذلك، تبقى نظرية المؤامرة الخارجية قائمة، فيما وقع بالقرب من سبتة السليبة هذه المرة وإن بنسب متفاوتة، كما حدث مع ظاهرة جيل”زد”، ذات موجة عابرة، عرفنا من دبرها ومن مولها وما كانت أهدافها، ولكنها مرت بما لها وما عليها.
لم يكن يسمح لمثل العرايشية أو غيرها من نمل الإنس والجان بالعبور إلى سبتة المحتلة سباحة أو مشيا على الأقدام إلا بسلطان أو إغماض عين. ومع ذلك، كل شيء وارد، يمكن أن يكون حصل هناك نوع من الانفلات التكنولوجي، تعقيدات سياسية، وجهة نظر مغربية غاضبة أو بعد نظر رسمي، لا يشبه ما يعرفه عامة الشعب وسوادهم، تداخلت فيه حسابات جيوسياسية وتكتيكات معينة مع بعض الأطراف، لن يكون الإسبان أولهم، ولا نظراؤهم من الأوروبيين آخرهم.
وبعيدا عن تقييم مهمات الأحزاب السياسية والأوضاع الداخلية في البلاد، لا يبدو أن هناك دخل لعاملي الفقر والبطالة، ولا كل ما هو اجتماعي واقتصادي، فيما وقع من هجوم مائي على سبتة المحتلة. هناك طموح عارم للشباب المغربي المغامر فاق قدراتهم، وهناك تهور للبعض مع غياب الواقعية في نظرتهم إلى الأمور. لا أستبعد كذلك، من وجهة نظري كمواطن، أن يدخل الأمر في إطار أبعاد ثلاثة: تقصير تربوي أسري ومنظوماتي، غضبة مغربية صامتة أو هجمة سيبرانية غزت عقول الشباب المغربي ومخيلاتهم.


أما موقف إسبانيا المتذبذب من وحدتنا الترابية، خبرناه في بدايته مع اعترافها تحت الإكراه بسيادة المغرب على صحرائه، ولم نعرف بعد كيف ستؤول نهاياته، وإلا ما كنا رأينا قطعانا من الشبان المغاربة، ومعهم أجانب من المغاربيين والأفارقة، في زمن ومكان واحد، وهم يسبحون ليلا ونهارا على طول سواحل سبتة السليبة من جهة الشمال تحديدا، وهم طلقاء أحرار في الاتجاه المعاكس، هائمون على وجوههم برا، وعلى صدورهم بحرا، مثلما تفعل أسماك السلمون عادة.
لا يهمني من أي مدينة جاءت تلك الشابة المغربية، هي التي أطلقت الشرارة الأولى إعلاميا، بعد وصولها إلى سبتة المحتلة، شابة تبدو رشيقة في جسمها على هيئة غزالة، وفي كامل ابتسامتها العريضة وبهجتها ونشوتها بالعبور. أكثر من ذلك، تحمل في فمها سلك الربط التقويمي للأسنان من النوع غالي الثمن، وشباب آخرون يحملون بين أياديهم أيفون آخر طراز، ويلتقطون صور أفواجا بشرية تعبر البر والبحر.
قد أفرح لها ولهم، كما فعل الكثيرون والكثيرات، وقد أهنئها بما فعلته من فتح “مبين”، وما ينتظرها لاحقا من جنات “فردوس” على الضفة الأخرى. وقد أجلد الذات، وألعن القيامة والإقامة في البلد، كما فعل غيري من اليساريين واليمينيين والإسلامويين لاعتبارات تخصهم: أخلاقية، سياسية، اجتماعية، وحتى نفسية..إلخ.
“إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية.. سراً وعلانية”
كثيرا ما تغنيت بهذا المقطع في سري وعلانيتي، وهكذا تعلمت أن أكون مع وطني في محطات مفصلية منذ صغري. ولذلك، وعيي النسبي بظواهر الأمور وبواطنها، لا يقبل مني أن أهاجر مثلهم، ولو أنني في باطني، أطمح أن أعيش في النرويج والسويد مثلهم، ولكن شيئا ما في نفس هذا الباطن، يمنعني من التفكير في مغادرة بلدي إلا عابرا مسافرا بجواز سفر مغربي. لن ألوم الأغلبية في الحكومة المغربية الحالية، ومعها أكثرية الأحزاب الصامتة صمت القبور، ولا السياسيين الفاسدين والمرتشين، ومعهم البرلمانيين الناهبين لأموال وخيرات هذا البلد سرا وعلانية، لأنني أعرف ماضيهم أولا، وأعرف مساراتهم السياسية ثانيا، ولن أنتظر منهم شيئا يبهج النفس والروح في هذا البلد. وأيضا، لأن ما وقع على أبواب سبتة من تدفق بشري، هو أكبر إدانة فاضحة وأكبر مما سأقوله للطبقة السياسية برمتها في المغرب. ولكن، يمكن أن أغتنم فرصة الانتخابات التشريعية المقبلة، وأروم نحو جهة سياسية محددة أو لون سياسي معين، وأدعي أنها ستوفر، إن آلت أمور الحكومة المغربية المقبلة إليها، ما يكفي من الوظائف ومناصب الشغل، وستجد العمل للعاطلين والهاربين من الشباب، وما يكفي من المستشفيات للمرضى والمدارس للأطفال، وتغلق مضايق البحر والبحر في المستقبل إلى الأبد، وخصوصا أمام هجرة الشباب الانتحارية في عرض البحر المتوسط.
ولكن، دعنا نفكر قليلا بعقل وروية، ونتساءل بعقلانية وهدوء، بعيدا عن لغة السياسة والإشارة والعاطفة، وتداخل وساط السوشل ميديا في تأجيج هذا الهيجان البشري المغربي نحو العبور إلى سبتة، ونقوم بقراءة سيميائية لملامح الوجوه المنتصرة والمنتشية، وتفكيك فرحها في آنيته العابرة: صحيح أن هذه الشابة، كما غيرها، انتصرت على صعود هضبة أو خمس كيلومتر سباحة، وفي تمثلاتها نجاحات ابن بلدتها ومدينتها العرائش الأمين جمال، الموهبة الكروية المبهرة مع فريقي برشلونة وإسبانيا، ومن ثمة يجوز لها أن ترفع شارة النصر، وهي تقول في قرارة نفسها:”مستقبل غامض أفضل من حاضر نعرفه”. ولكن، ثمة سؤال آخر يبقى معلقا: ثم ماذا بعد هذا العبور سباحة؟ وعلى من انتصرت هذه العرايشية مع غيرها؟ ولمن فازت بمثل هذا العبور؟ هل على وطنها؟ أم على ذاتها؟ أم أنها استسلمت للوهم؟
نعرف أنه لو كانت هذه الشابة التي شكلت شرارة البداية طالبة في معهد عالي أو جامعة، لما فعلت ذلك، ولو كان معها دبلوم بسيط أو درجة علمية رفيعة، لما أقدمت على فعلتها، ولو كانت تتوفر على دبلوم مهني لما فعلت كذلك، لا هي ولا غيرها ممن كانوا معها، لأن التعامل مع فكرة الهجرة سيكون حتما مغايرا، وسيختلف عن عبور البحر أو التحليق في الجو، هناك طرق أخرى مختلفة عن المغامرة سباحة. ولكن بما أنها، كما غيرها، لا يملكون سوى فتوة سواعدهم، غامروا برمي أنفسهم في البحر، ولو أنه كان من الممكن أن تخونهم قوتهم وأنفاسهم في أي لحظة، ويصبحون من الغارقين الهالكين. وحينها، يصبحون مجرد طعم آدمي لسمك قرش عابر، مثلما تعبر أي سفينة أو بارجة حرب عابرة من مضيق جبل طارق نحو مجاهل زرقة المحيطات في الشرق والغرب.
عموما، نحمد الله حمدا كثيرا، أن لا شيء من ذلك حصل لها ولغيرها، ولو أن الأمور لا زالت في بداياتها، والأيام القادمة ستفرج عن مآسي منتظرة من دون شك، وربنا يستر من الآتي. وكما نعرف، أنه حينما ينتهي فعل الفرح والابتسامة، وتأثير مفعول أضواء وسائل الإعلام، وهو حتما سيمر سريعا مثل لمح البصر، ستبدأ من دون شك مرارة الواقع وآلامه. وتبدأ معه استنطاقات وإجراءات إدارية أخرى أكثر تعقيدا، وقد تكون في بعض الأحيان ذليلة، كما رأيناها في أكثر من مناسبة في مراكز الاستقبال الإسبانية.
أحمد الله من جهتي كمواطن مغربي على سلامتها، مهما كانت الدوافع والظروف، وأرجو لها كما لغيرها حظا موفقا، مع كل الأمل في أن تجد في الضفة الأخرى عملا يليق بها، إن سمحت لها جمارك الحدود بالعبور إلى الضفة الأخرى، وألا ترتمي ثانية مع غيرها في مغامرات وتهلكات ليست محسوبة العواقب.
أخيرا، نرجو خيرا لهذه البلاد التي نحبها، مهما جار مسؤولوها علينا، “والله يصوبها من عندو وصافي”. ديما مغرب..!!

*إدريس الواغيش: كاتب وإعلامي مقيم بفاس / عضو منتدى كفاءات إقليم تاونات

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة