بقلم:ذ. عبد العزيز برحايل *:”صدى البرلمان”/– في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي أحد أبرز الفاعلين في تشكيل الرأي العام، قد يكون مقطع فيديو عفوي أكثر قدرة على كشف حقيقة العلاقات بين الشعوب من عشرات التصريحات السياسية. وهذا ما جسده أحد صناع المحتوى الجزائريين عندما روى تجربة شخصية أعادت طرح سؤال طالما شغل المتابعين: كيف تحولت الخلافات السياسية بين المغرب والجزائر إلى حالة من الجفاء الشعبي؟
يروي الشاب أنه كان يتابع مباراة للمنتخب المغربي رفقة والده، فاستوقفه حماس هذا الأخير وتشجيعه الصادق لكل هجمة مغربية، بل وفرحته بكل هدف يسجله المنتخب. وعندما سأله باستغراب عن سبب هذا التشجيع، أجابه والده بكلمات بسيطة لكنها عميقة الدلالة: “إنهم مسلمون مثلنا، ولا يرفض تشجيعهم إلا مجنون.”
هذه العبارة، رغم بساطتها، تكشف عن وعي جيل ظل ينظر إلى العلاقة بين الشعبين بمنظار الأخوة والجوار والمصير المشترك، بعيداً عن تأثيرات الاستقطاب السياسي والإعلامي. كما تطرح سؤالاً مشروعاً حول الكيفية التي أصبحت بها بعض الخطابات الإعلامية قادرة على إعادة تشكيل مواقف جزء من الشباب تجاه شعب تجمعه بهم روابط تاريخية ودينية وثقافية متجذرة.
ولا يمكن تناول هذا الموضوع بعيداً عن جذوره السياسية، إذ يظل ملف الصحراء المغربية محور الخلاف الرئيسي بين الرباط والجزائر. ويتمثل أبرز مظاهر هذا الخلاف في الدعم الذي تقدمه السلطات الجزائرية لجبهة البوليساريو، وهو ما تعتبره المملكة المغربية مساساً بسيادتها ووحدتها الترابية.
وقد تفسر بعض القراءات الجيوسياسية هذا الموقف باعتبارات مرتبطة بالتوازنات الإقليمية أو بطموحات النفوذ في شمال إفريقيا. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الخلاف السياسي، وإنما في انتقاله تدريجياً إلى المجال الشعبي، حتى أصبح في كثير من الأحيان مادة للتعبئة الإعلامية والاستقطاب داخل الفضاء الرقمي.
فخلال السنوات الأخيرة شهدت العلاقات المغربية الجزائرية مرحلة من التصعيد غير المسبوق. وإذا كانت فترة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة قد حافظت، رغم الخلافات، على حد أدنى من اللغة الدبلوماسية، فإن المرحلة الحالية عرفت تصعيداً أكثر وضوحاً في الخطاب السياسي، رافقته قرارات مؤثرة، من بينها قطع العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق المجال الجوي الجزائري أمام الطيران المغربي، ووقف العمل بخط أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي.
كما زادت بعض الأحداث الحدودية المؤلمة من تعقيد المشهد، الأمر الذي ساهم في توسيع دائرة التوتر، وفتح المجال أمام خطاب إعلامي اتسم، في كثير من الأحيان، بالتصعيد أكثر من البحث عن حلول أو تقريب وجهات النظر.
في المقابل، اختار المغرب اعتماد مقاربة مختلفة قوامها التهدئة وضبط النفس. فقد أكد الملك محمد السادس، في أكثر من خطاب، تمسك المملكة بسياسة الحوار، وكرر دعوته إلى فتح صفحة جديدة مع الجزائر من خلال مبادرة “اليد الممدودة”، مشدداً على أن المغرب لن يكون مصدر تهديد لجاره الشرقي، وأن الشعبين تجمعهما روابط تاريخية وإنسانية لا يمكن أن تمحوها الخلافات السياسية.
غير أن هذه المبادرات لم تؤد، حتى الآن، إلى انفراج حقيقي في العلاقات الثنائية، وهو ما جعل حالة الجمود تستمر، بل وتنعكس على طبيعة النقاش داخل وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
وللأسف، ساهمت بعض المنصات الرقمية، من الجانبين، في تغذية خطاب الاستقطاب، حيث تحولت مواقع التواصل إلى فضاء لتبادل الاتهامات والانفعالات، وغابت في كثير من الأحيان لغة العقل والتحليل الرصين. كما لعبت خوارزميات هذه المنصات دوراً في تضخيم المحتويات المثيرة للجدل، لأن هذا النوع من المحتوى يحقق معدلات تفاعل أكبر، وهو ما يؤدي إلى تكريس الصور النمطية وتعميق سوء الفهم بين الشعوب.
ومن هنا تبرز أهمية الرسالة التي حملها ذلك الأب الجزائري. فهي ليست مجرد موقف عابر، بل تذكير بأن العلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تُختزل في مواقف الأنظمة أو في الخلافات الدبلوماسية. فالتاريخ المشترك، والدين الواحد، واللغة، وروابط الجوار، كلها عناصر تجعل من الشعبين المغربي والجزائري أكثر قرباً مما توحي به الخطابات المتشنجة.
إن الخلافات السياسية، مهما بلغت درجة تعقيدها، تظل بطبيعتها قابلة للتغيير مع تغير الظروف والمصالح. أما العلاقات الإنسانية والثقافية والحضارية، فهي أكثر رسوخاً واستمراراً. ومن ثم، فإن الحفاظ على جسور التواصل بين الشعبين يمثل مسؤولية جماعية، تتطلب تغليب الحكمة على الانفعال، والوعي على خطاب الكراهية.
وفي النهاية، ربما تلخص كلمات ذلك الأب الجزائري حقيقة تستحق أن تُستعاد كلما اشتدت الخلافات: “إنهم مسلمون مثلنا.” إنها عبارة تختصر معنى الأخوة، وتؤكد أن السياسة، مهما بلغت خلافاتها، ينبغي ألا تنجح في تمزيق ما صنعه التاريخ والجغرافيا والدين من روابط بين الشعبين.
ذ. عبد العزيز برحايل *:إطار تربوي وإعلامي/تاونات














