القوة الرمزية للمؤثرين المغاربة…بين التثقيف، الترفيه والتهريج

sadaalbarlaman10 يناير 2026آخر تحديث :
القوة الرمزية للمؤثرين المغاربة…بين التثقيف، الترفيه والتهريج

إعداد خديجة بناجي-الرباط :”صدى البرلمان”//- يتفننون في رسم ملامح حياتهم بالأبيض والأسود أو بألوان قوس قزح، غير عابئين بأنهم فتحوا خزانة أحلامهم وأوجاعهم في مزاد علني للعموم. بل منهم من يغامر بالكشف عن حدائقه السرية لجني “اللايكات” وحصد التعليقات. ففضائح المغامرات العاطفية والاشتباكات العائلية و أوجاع الماضي تستأثر باهتمام هواة الغوص في عوالم الانترنيت،الذين تستهويهم مشاهدة فضاء “السوشيال ميديا” على الإبحار في فصول الروايات ومشاهدة نشرات الأخبار أو سيناريوهات مسلسلات الدراما وأفلام الأكشن...

لا ننكر أن البعض قد تنفرج أسارير وجهه وتتحرر هرمونات السعادة في جسده، وهو يتصفح يوميات بعض المؤثرين المغاربة وكأنها كرنفال احتفالي لثقافتهم وتفاهتهم وفضائحهم، فيومياتهم أحيانا قد تشعل أعواد ثقاب فوسفورية في النشرة الجوية لمزاجنا لتنتشلنا من حبال الرتابة والجمود. فهناك من يستغني عن دفء اللحظات العائلية وثرثرة المقصورات الهاتفية للغوص في عالمهم الوهمي الواقعي. عالم قد ننسج معه لحظات من الألفة غير المصطنعة خصوصا وأنه عالم بلا رموز سرية أو أبواب أوتوماتيكية. عالم نوافذه بلا ستائر. نسمع صخبهم وهمسهم… نستمتع بجديتهم وهزلهم… ونتقاسم معهم أحيانا حتى وسادة كوابيسهم وأحلامهم.

الأكيد أن بروز موجات المؤثرين وتأثيرهم العاطفي على وجدان المتابعين أحدث تمازجا غير متجانس بين الصورة والحقيقة، النسخة والأصل، التمثيل والواقع، الجوهر والمظهر، وهذا ما يجعلنا نتساءل بعمق عن ماهية المؤثر الاجتماعي ودلالات تأثيره؟ ما هي الحدود القانونية والضوابط الأخلاقية التي يتقيد بها؟ هل ارتقى المؤثر بأسهم شعبيته ليغدو منافسا “غير شرعي” للصحافي في تشكيل هندسة الرأي العام؟ هل يمكن اعتبار المؤثر سلطة خامسة ناعمة تضاهي سلطة “صاحبة الجلالة” المشاكسة؟ وهل ولوج بعض المؤثرين لمجال التمثيل جعل بعض الفنانين يحملون نعش أحلامهم فوق رؤوسهم لأن الشهادات الأكاديمية قد لا تصمد أحيانا أمام نسبة المشاهدات التي يحظى بها المؤثرون؟

موقع “صدى البرلمان” التقى برلمانيين، صحافيين في الإعلام التلفزيوني والإلكتروني، محامين، ممثلين، أساتذة جامعيين، فاعلين جمعويين، شبابا وشيابا، مراهقين وأطفالا وسألهم عن علاقتهم بعالم “السوشيال ميديا “وتحديدا عالم المؤثرين، وعن طبيعة المضامين التي تحظى باستحسانهم؟ وهل يعرفون أسماء بعض المؤثرين المغاربة المشهورين والمغمورين، العميقين والسطحيين ولماذا يتابعونهم؟ وبالموازاة مع معرفة أسماء بعض المؤثرين و كأنهم نجوم، هل المغاربة على دراية بهوية بعض الأيقونات المغربية الحقيقية التي تم تتويجها في منصات دولية مثل العالم رشيد اليزمي الحائز على براءة اختراع أمريكية في مجال سلامة بطاريات السيارات، والدكتور الشاب يوسف العزوزي الحاصل مؤخرا على براءة  اختراع أول جهاز في العالم لتصفية الدم مباشرة من الأوعية الدموية، والشاعر والسياسي محمد الأشعري المتوج سابقا بجائزة البوكر العالمية للرواية العربية عن روايته “القوس والفراشة”، وغيرهم من الأسماء المغربية المتلألئة وطنيا ،عربيا ودوليا.

حاولنا طرح هذه الأسئلة في فضاءات متباينة ومتناقضة: قاعات بالبرلمان المغربي، مكتبة وطنية، مدارس خاصة، مقاهي راقية ومطاعم مصنفة، مطاعم شعبية، باعة كتب على الرصيف، مدارس عمومية، فضاءات البلياردو والبولينغ…لجس نبض المجتمع بطبقاته الاجتماعية المخملية والكادحة، المتعلمة والأمية، أشخاص من فئة “المغرب الوردي” وآخرون من أقاصي “المغرب العميق الرمادي”.

المؤثرون المغاربة…من هم؟ ولماذا نتابعهم؟

الأكيد أن الحاجة إلى المؤثرين كنماذج و “كتالوجات اجتماعية” ظاهرة ارتبطت بالبشر منذ القدم، فحتى قبل دخول الانترنيت ووسائل الإعلام الرقمية كان الناس يتأثرون بالشعراء والأدباء والممثلين والمشاهير  والملوك والأمراء، ويحاولون تقليدهم في الملبس وأسلوب العيش ويقتادون بأفكارهم وخبراتهم وحتى أذواقهم، فمثلا فستان الزفاف الأبيض أصبح تقليدا عالميا بعد أن ارتدته الأميرة البريطانية فيكتوريا عام 1840، وانتقت اللون الأبيض لإظهار جمال التطريز وسحر الدانتيل بالفستان وليس لإضفاء هالة الصفاء والبراءة كما يعتقد البعض.. وبعد انتشار صور زفاف الأميرة على نطاق واسع قلدتها كل النساء كأنهن ملكات.

وبعكس المشاهير والشخصيات المعروفة الذين يحرصون على إحاطة حياتهم الخاصة بسياج حديدي، فإن بعض المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي ينسجون علاقات ودية مع المتابعين بأضواء كاشفة، ويتقاسمون معهم كواليس حياتهم دون رتوشات أو أقنعة تنكرية.

 فالمتصفح لمضامين منشورات بعض المؤثرين المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي قد يتفاجأ برصانتها وجديتها ووهجها المعرفي والعلمي أحيانا، وبتفاهتها وسخافتها وسفاهتها أحيانا أخرى.

المثير للاستغراب هو أن المحتويات التافهة والشبه إيروتيكية هي التي تتناثر عليها اللايكات والتعليقات، ويحظى صانعوها بالهدايا والزغاريد في أعراس تتويج “الفيديوهات الأكثر مشاهدة”.وبالمقابل فالمحتويات الثقافية والفكرية والأدبية والعلمية تحظى بمشاهدة خجولة كأنها فاكهة الحب المحرمة، وهذا ما لمسناه بشكل جلي عندما سألنا بعض المستجوبين عن هوية رشيد اليزمي عالم بطاريات السيارات، وهوية الدكتور يوسف العزوزي مخترع أول جهاز في العالم  لتصفية الدم مباشرة من الأوعية الدموية وغيرهم…فباستثناء المثقفين والبرلمانيين والصحافيين والأساتذة الجامعيين والممثلين لم يتمكن معظم المارة ” تلاميذ، طلبة، موظفون …” من التعرف على هذه الأسماء ومجال اشتغالها. وعندما عرضنا عليهم الصور خمن بعضهم من باب ادعاء المعرفة والثقافة العامة أن الأمر يتعلق بأسماء رياضيين قدامى في مجال كرة القدم. الأمر الأكثر غرابة هو أننا عندما سألناهم عن بعض الأسماء في مجال “السوشيال ميديا ” التي اشتهرت بمحتويات تافهة ومبتذلة تعرفوا عليها بسهولة دون الحاجة إلى الصور، كأنها رموز ثقافية وأيقونات فكرية. وهذا ربما ما جعل الفيلسوف الكندي ألان دونو مؤلف كتاب “نظام التفاهة” يعتبر أن “مواقع التواصل الاجتماعي نجحت في ترميز التافهين، أي تحويلهم إلى رموز، إذ صار يمكن لأية جميلة بلهاء أو وسيم فارغ، أن يفرضوا أنفسهم على المشاهدين، عبر منصات تلفزيونية عامة، هي في أغلبها منصات كلامية وغير منتجة”. “بل أصبح “لهم الحق في الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل “حسب الفيلسوف الإيطالي الساخر أمبرتو إيكو.

البعض منا قد يتساءل لماذا نتابع هؤلاء المؤثرين؟ من هم؟ وبأية شرعية ثقافية واجتماعية يتحدثون؟ لماذا سلمناهم طواعية مفاتيح وجداننا وعقولنا وتصدروا أجندة اهتماماتنا؟ ومن منحهم الضوء الأخضر لرسم إحداثيات هويتنا فكرا وثقافةوسلوكا وحتى هنداما؟

 اهتمت العديد من الدراسات الغربية والعربية في مجال العالم الرقمي بتفسير مصطلح المؤثرين، خصوصا وأنهم نجحوا في جذب وإبهار واستقطاب جماهير من مختلف الأطياف الفكرية والألوان الاجتماعية والمراحل العمرية.

 وفي هذا الصدد أكد الصحافي عادل الزبيري مراسل قناة العربية سابقا بالمغرب في تصريح ل”صدى البرلمان” “أن صناع منصات التواصل الاجتماعي في وادي السيليكون في الولايات المتحدة الأمريكية اختاروا إطلاق تسميات تخص المستعملين المدمنين، كنوع من التمييز الإيجابي لأولئك الذين يقضون وقتا طويلا في استعمال المنصات الاجتماعية التواصلية. هذه التسميات تحولت اليوم إلى ظاهرة اجتماعية أنتجت شخصيات يراها المجتمع أيقونات، ولو أنها تقدم أي شيء ولا شيء. فمنصات التواصل الاجتماعي قررت صناعة الرأي العام الدولي والتحكم في كل شيء عبر المؤثرين الذين يتم أحيانا استدعاءهم في الإعلام العمومي التقليدي لتقديم برامج أو للحضور كنجوم”.

لقد نجح المؤثرون في توظيف قدرتهم على الجذب والتأثير وأحيانا التوجيه، ونسجوا مع متابعيهم علاقات دافئة من خلال نشر تفاصيل حياتهم والكشف عن لحظات تألقهم وإخفاقهم، وهذا ما جعل العلاقة الافتراضية ترقى إلى دفء العلاقة الواقعية.

 وفي هذا الصدد صرح عزيز مشواط أستاذ جامعي في علم الاجتماع  بالدار البيضاء ومدير مؤسسة منصات في لقاء مع “صدى البرلمان” :”أن ظاهرة المؤثرين تتماشى وتتماهى مع المنطق التقني والرقمي لوسائل التواصل الاجتماعي، فمتابعة بعض المؤثرين دليل على أننا نعيش أزمة قيم كقيم الروابط العائلية، الرضا والقناعة وغيرها من القيم الاجتماعية التي تلاشى حضورها الرمزي والفعلي في المجتمع، فمع تراجع محاضن التربية والتنشئة اضطلع المؤثرون بهذا الدور، فتحولت الروابط العائلية والقيم المجتمعية إلى روابط رقمية وقيم بتفويض من الخوارزميات”.

الأكيد أن بعض لمؤثرين أصبحوا يتحكمون رمزيا في المنصات الاجتماعية، بدليل أن ثقافة النموذج التي كانت تستلهم جوهرها من مشاهير الفن والإعلام والسياسة والثقافة تلاشت مع ظهور بعض المؤثرين الذين أتقنوا فن التأثير دون الحاجة إلى معلم أو موجه أو مقررات دراسية، وفي هذا الصدد يعتبر الدكتور عزيز مشواط:”أن ملامح القدوة قد تغيرت من ملامح واقعية كالعمل والاجتهاد والاستحقاق وغيرها إلى ملامح افتراضية ترتكز على الريع ونسبة المشاهدات وعدد المتابعين”.

ولقد نتج عن الانغماس في المنصات الاجتماعية الاستغناء عن تبادل الزيارات ونميمة “الصينية وفناجين الشاي”، والاكتفاء فقط بالدردشات على الهاتف أو المنصات الاجتماعية دون الحاجة إلى طرق أبواب العائلة ومصافحة الأيادي أو تبادل الابتسامات والكلمات.

وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور عزيز مشواط ” أن العلاقات الافتراضية في وسائل التواصل الاجتماعي حلت محل العلاقات الحقيقية، فالعلاقات المجتمعية الواقعية تمت مقايضتها بآليات وتعبيرات افتراضية تبدأ بالسيلفي لتنتهي بالبودكاست والزوم و”اللمة العائلية” الافتراضية”.

فسهولة التواصل في العالم الافتراضي والقدرة على انتقاء ما تريد وترك ما لا يعجبك، أصبحت تؤثر فعلا على علاقتنا الواقعية، في هذا السياق يعتبر وسيم جناتي حائز على الإجازة في القانون الخاص” أن متابعة بعض المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي حقيقة ثابتة، فأحيانا أفضل مشاهدة فيديوهاتهم على الجلوس مع العائلة والأصدقاء من باب التسلية وتمضية الوقت، وهناك مؤثرون يضحكونني بمقالبهم الكوميدية مثل “عائلة العزاوي ” التي تنشر فيديوهات ممتعة ومضحكة”. 

وبدوره ياسين كريمي طالب بالسنة الثالثة بمعهد خاص للإعلام والاتصال يرى أن “المجال الرقمي يضم العديد من المؤثرين الإيجابيين والسلبيين، لا أنكر أنني أستفيد من بعضهم سواء في المجال الثقافي، الإعلامي، الفكري والتكنولوجي، خصوصا أن هؤلاء المؤثرين يقدمون محتوياتهم بعد دراسة وتمحيص وتدقيق وبأسلوب مشوق ومبسط مثل اليوتوبر أمين رغيب الذي استفدت منه كثيرا في المجال الرقمي. لكن للأسف أغلب المتتبعين يفضلون مشاهدة مضامين تافهة مثل المقالب بين الزوجين، جنس المولود القادم، فلوغ الولادة، إصلاحات المنزل، جولة في فيلاتي الجديدة… فهذه المضامين تجعل الإنسان يبدو سطحيا ويضيع وقته الثمين في مشاهدة فيديوهات لا تعود عليه بأية فائدة سوى الاستعراض والتباهي المجاني”. وفي السياق ذاته تضيف سارة البوزيدي أستاذة بثانوية خاصة ” أشعر بالحسرة عندما أناقش مع تلامذتي مواضيع خارج المقررات الدراسية، إذ أتفاجأ بضعف مستوى ثقافتهم العامة، فهم تقريبا لا يتمتعون بأي رصيد معرفي باستثناء  أسماء بعض الأفلام الأجنبية ولاعبي كرة القدم وكذا بعض مشاهير السوشيال ميديا، المقلق في الأمر هو أني عندما أسألهم عن طموحاتهم في المستقبل، يجيبون بأنه لا نية لهم لاستكمال مشوارهم الدراسي، لأنهم يفضلون أن يصبحوا مؤثرين حيث النجاح لا يقاس بالتعليم أو العمل “.

ومن الطرائف التي وقعت مؤخرا بالبرلمان المغربي أن النائبة البرلمانية زينب السيمو سردت لوزراء وبرلمانيين في اجتماع خاص بلجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب وقائع الصدمة التي شعرت بها عندما طلبت منها ابنتها 7 أعوام إنشاء حساب لها على تطبيق التيك توك، ليس بدافع الترفيه أو التقليد أو تمضية الوقت بل لتحقيق الربح المادي “الفلوس”. وقد صرحت النائبة البرلمانية أنها “حاولت جاهدة أن تشرح لابنتها أن طريق المال هو العلم والتحصيل الدراسي حتى تصبح مستقبلا طبيبة أو مديرة أو ربانة طائرة…واعتبرت النائبة البرلمانية أن “الانغماس المبكر في منصات التواصل الاجتماعي يشكل تهديدا حقيقيا للقيم التربوية والمجتمعية، من خلال الهوس بالشهرة الرقمية وثقافة الربح السريع”.

القانون… القلم الأحمر لتصحيح هفوات بعض الموثرين

إن واقع المنصات الاجتماعية يكشف أحيانا عن محتويات رقمية لا تتقيد بالمعايير الأخلاقية والتربوية، إذ تجاوزت جرأة فيديوهات بعض المؤثرين “الخط الأحمر” وتم اقتيادهم إلى ردهات المحاكم برؤوس منحنية وتهم ثقيلة كالتشهير، الابتزاز والاتجار في البشر…وذلك بعد أن أطلقت جمعيات المجتمع المدني أجراس الإنذار للتنبيه والتنديد بالمحتويات الفاضحة لبعض المؤثرين التي تضر وجدان وعقل الجيل الناشئ، وتنتهك حرمة القوانين وتتعارض مع القيم المجتمعية والأخلاقية.

وفي هذا الصدد يرى المستشار البرلماني والمحامي بهيئة المحامين بالرباط محمد حنين في تصريح ل”صدى البرلمان”:”أن انتشار ظاهرة المؤثرين أثبت وبالملموس سحب البساط من الأحزاب السياسية ومن وسائل الإعلام التقليدية التي كانت تحتكر التأثير على الرأي العام، إذ أصبحنا أمام انتقال سلطة التأثير من المؤسسات إلى الأفراد، وقد أدت هذه الظاهرة إلى تحول عميق في موازين القوة الرمزية داخل المجتمع “.

مشيرا في تصريحه أن ” استغلال هذا الفضاء بحرية أدى الى إنتاج ظاهرة المؤثرين باعتبارهم فاعلين رقميين، يساهمون بكيفية مباشرة في صنع الرأي العام والتأثير عليه، وهو تحول إيجابي كلما التزم الفاعل الرقمي بضوابط المسؤولية، لكنه ينطوي على مخاطر شتى في غياب التقيد بهذه الضوابط، سيما عندما يتضمن المحتوى مغالطات أو يستند إلى وقائع كاذبة أو مزيفة بهدف التشهير أو توجيه الرأي العام”.

وبخصوص بعض المنتقدين الذين يعتبرون أن المغرب أصبح يعيش فوضى رقمية اعتبر المستشار البرلماني محمد حنين ” أن الحديث عن فوضى رقمية أمر مبالغ فيه، كون بلادنا لا تعاني من فراغ قانوني، بل إنها تتوفر على ترسانة قانونية متكاملة منها على الخصوص القانون الجنائي، قانون الصحافة والنشر وقانون حماية المعطيات الشخصية”.

 ويرى المحامي محمد حنين” أن الأمر ناتج بالأساس عن اختلال في ضبط الفضاء الرقمي أكثر من كونه ناتج عن فوضى رقمية، سيما أن الوعي المجتمعي لم يواكب بعد حجم المسؤولية التي تفرضها حرية النشر، فالملاحظ أن الفضاء الرقمي يتطور بسرعة مقارنة مع تطور التشريع، لذا أصبح من الضروري مواكبة القوانين لهذا التطور غير المسبوق، بما يكفل تنظيم الفضاء الرقمي ويضمن مواجهة التحديات المترتبة عن ضعف الوعي الرقمي ومتطلبات التوازن بين العقاب وحماية حرية التعبير”.

وبخصوص الضوابط القانونية التي يجب على المؤثر التقيد بها، والتي لا تتعارض في جوهرها مع حرية التعبير، يرى المتحدث ذاته “أنه للأسف أمام ضعف الوعي الرقمي و اتساع نطاق الحرية تتحول حرية التعبير إلى أداة للمس بحرية و حقوق الغير، فالبحث عن السبق دون التأكد من صدقية المعلومات و التهافت على جني الأموال دون اعتبار لنطاق المحتوى و مضمونه، كلها عوامل تؤدي الى خلق معاناة حقيقية للمتضررين من المحتوى يصعب جبرها، مما يجعل التحدي قائما لمواجهة الأضرار الناتجة عن الرداءة و التفاهة ، لذلك أصبح من المفروض تعزيز منسوب الوعي الرقمي من خلال وسائل مختلفة، ليتشبع مستعملو الفضاء الرقمي بالثقافة الرقمية المبنية على احترام الثوابت الدستورية و النظام العام، و الالتزام بالقيم الإنسانية بما تنطوي عليه من حقوق و حريات واحترام الحياة الخاصة، و التمسك بأخلاقيات الصحافة و النشر بما في ذلك تجنب السب والقذف والتشهير بالأشخاص و المؤسسات، وعدم نشر الأخبار الزائفة و احترام القوانين المنظمة للإشهار و المنافسة وعدم انتحال صفة أو مهنة منظمة، و التقيد بالضوابط المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية. فهذه الضوابط في جوهرها لا تعتبر قيودا على حرية التعبير المكفولة دستوريا بل تعتبر آليات للتوازن بين الحرية والمسؤولية القانونية”.

وينشر بعض المؤثرين محتويات تتعلق بنصائح صحية أو تجميلية سواء باستعمال خلطات تقليدية متوارثة أو مستحدثة، أو اتباع وصفات طبية يدعون أنها مجربة وآمنة، وهناك من دفع صحته ثمنا لتصديقه وتطبيقه وصفات وهمية لبعض المؤثرين. في هذا السياق هل يمكن تجريم هذه الاقتراحات  والوصفات واعتبارها  “جريمة ناعمة ” لأنها تعطى بدون صفة مهنية وبدون تكوين أكاديمي؟ في هذا الصدد  يؤكد المستشار البرلماني محمد حنين أنه “من حيث القانون الجنائي لا يمكن الحديث عن أي جريمة إلا بعد إثبات توفر الفعل أو السلوك على ثلاثة عناصر ، قانوني و مادي و معنوي، وكلما انتفى عنصر من هذه العناصر تنتفي الجريمة ، لذلك كلما تعلق المحتوى بتشخيص أو تقديم أدوية للعلاج أو إرشادات تقنية أو توجيهات أو غيرها دون الإشارة الى عدم الاختصاص، وينتج عن ذلك ضرر للمتلقي، فإن تكييف أفعال صانع المحتوى يؤدي قانونيا إلى اعتبارها “جريمة ممارسة غير مشروعة لمهنة منظمة”، مما يثير المسؤولية الجنائية و المدنية للفاعل و يؤدي إلى المتابعة و العقاب، فمن غير المقبول أن يتحول صانع المحتوى إلى طبيب افتراضي أو مهندس رقمي دون تخصص أو تكوين أكاديمي أو علمي ، و لا يمكن التستر وراء حرية التعبير مهما كانت المبررات، مادامت حرية التعبير لا تنطوي على التضليل الرقمي الذي قد يشكل خطرا على الصحة و السلامة العامة”. 

فمن حيث المبدأ يتوقف بناء فضاء رقمي سليم، حسب المستشار البرلماني محمد حنين “على توظيف الذكاء الجماعي للوقاية من الاختلالات المؤثرة على سلامة هذا الفضاء، فالدولة مسؤولة عن التأطير القانوني و نشر الوعي الرقمي ومواكبة التحول الرقمي المتسارع  بما يكفل بناء فضاء رقمي يحترم القانون ويصون القيم ويشجع الإبداع الهادف، كما أن المجتمع يظل مسؤولا عن إشاعة ثقافة الاستعمال الواعي و المسؤول للمحتوى، فالمحتوى لا ينتشر في الفراغ بل إن المشاركة غير المسؤولة في نشر المحتوى تؤدي إلى تحويل المحتويات التافهة إلى محتويات مطلوبة جماهيريا، و تضفي عليها قيمة لا تستحقها، فضلا عن مسؤولية المتلقي للمحتوى في تشجيع الرداءة و التفاهة مما يساهم أكثر في المس بالقيم و إلحاق الضرر بالغير ، لذلك فإن على كل فاعل تحمل مسؤوليته لأن الحرية الرقمية لا تعني الفوضى والتشهير والمس بالحياة الخاصة كما أن نجومية صانع المحتوى لا تعفيه من المسؤولية والمحاسبة”.

وحول إمكانية إصدار قانون ضد التفاهة مستقبلا أكد المتحدث مبتسما “أنه يصعب تجريم التفاهة كونها مفهوم نسبي يرتبط بالذوق العام، والقانون لا ينظم الذوق بل يتصدى لمعالجة الضرر، ولما كانت بلادنا تتوفر على ترسانة قانونية متطورة لحماية القيم المجتمعية والنظام العام وتجريم الإساءة والتحريض التشهير، فالتصدي للرداءة والتفاهة لا يتحقق من خلال القانون بل من خلال الوعي الرقمي وتقوية الإعلام العمومي، ونهج سياسة عمومية داعمة للمحتوى المسؤول والإبداع الهادف لضبط الفضاء الرقمي”.

صناعة الرأي العام بين مهنية الصحافي وشعبية المؤثر

الأكيد أن الصحافي صاحب رؤية ومهندس تفاصيل، وقناص أخبار طازجة بامتياز. مهمته تقتضي أن يكون كعالم آثار ينبش في ثنايا الملفات الملغومة ويسلط الأضواء الكاشفة على خيوطها المتشابكة، وأحيانا على الصحافي أن يغرد خارج كورال الإجماع الرسمي ويحلق بأجنحة كلماته فوق مناطق التجول فيها محظور. لكن مؤخرا أصبح في الفضاء الرقمي مغردون جدد، يعزفون على سمفونيات النشاز ولا يترددون في تقمص دور المحقق والمثقف والمهرج وكأننا في سيرك رقمي أقصى غاياته وأمنياته هي جني أزرار الإعجاب.

المثير للتساؤل هو أن بعض الوافدين الجدد احتلوا الصفوف الأمامية وصافحوا كبار المسؤولين بل وجلسوا على الكراسي الجلدية والأرائك الوثيرة ليناقشوا الاستراتيجيات والخطط والمنهجيات وكأنهم خريجو جامعات أوكسفورد وكامبردج وهارفارد. بل أحيانا يتم إهداءهم بطاقات دعوات بأغلفة مذهبة مقابل الترويج الرقمي لأجنداتهم وكأنهم سفراء بدون حقائب دبلوماسية.

 وفي هذا السياق لم يجد شكيب بنموسى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة السابق أي حرج في توجيه الدعوة لبعض المؤثرين، لمجالستهم والاستماع إلى مقترحاتهم بخصوص إصلاح التعليم، لأن هذه الفئة من المؤثرين حسب منظور الوزارة لهم احتكاك مباشر مع مختلف الفئات التي تود الوزارة الوصول إليها، خصوصا الشباب والتلاميذ، وهي فئات غالبيتها يتابعون مواقع التواصل الاجتماعي.

وبدورها وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الرقمي والتضامني فاطمة الزهراء بنعمور استدعت بعض المؤثرين لمناقشة مشاريع تهم القطاع السياحي والتسويق لبرنامج “فرصة”، وقد سألت العديد من فرق برلمانية الوزيرة حول هذا الأمر، كالنائب البرلماني رشيد حموني الذي استفسر الوزيرة حول” الميزانية المخصصة لهذه الحملة الإعلانية، وعن المعايير المعتمدة لانتقاء المؤثرين المكلفين بالترويج، وعن سبب عدم اكتفاء الحكومة بالقنوات والإذاعات العمومية والخاصة واللجوء إلى مؤثري “السوشيال ميديا”؟

 وفي السياق ذاته، وجه المستشار البرلماني عبد الرحمان الوفا انتقادات مباشرة للوزيرة معتبرا اعتمادها على مؤثرين في حملاتها الترويجية الرقمية أمر فيه استفسار، لأن بعض المؤثرين لا يتمتعون بأي تكوين سياحي ولا دراية شاملة لهم عن خصوصية التراث المغربي.

السؤال الأبرز والملح هو بأي شرعية يذهب المؤثرون ويحضرون لقاءات رسمية مع بعض المسؤولين وصناع القرار؟ هل هم مؤهلون من حيث التكوين الأكاديمي والمعرفي والعملي لتقديم مقترحات وتصورات في الاستراتيجيات التواصلية لقطاعات الدولة الحيوية؟ ما هي المسوغات التي يبرر بها الفاعل السياسي والمؤسساتي إرساله نداءات استغاثة إلى المؤثرين خصوصا وأن البعض منهم يجيد فقط إنتاج الثرثرة واجترار الكلام دون أي عمق فكري أو أصالة لغوية أو منهجية تحليل؟

في هذا الصدد يصرح الصحافي عبد الحق بلشكر مدير موقع “اليوم 24″ أن ” استدعاء مسؤولين لبعض المؤثرين أو بتعبير أدق “نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي”  يبخس دور الصحافة كمهنة تستند في آليات اشتغالها على البحث الميداني والتمحيص والتحليل والتحقق من صحة الأخبار، فهناك اعتقاد بأن نشطاء مواقع التواصل يصلون إلى أكبر عدد من الناس، وقد يكون هذا الأمر صحيحا لكنه يبقى سطحيا، لأن مجالات اهتمام نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي تنحصر أحيانا في السياحة والسفر والقضايا الاجتماعية، ومنهم من قد يهتم بالأخبار، وعندما يتعلق الأمر بالخبر والتعليق عليه فهذا يتداخل مع عمل الصحافي الذي يشتغل وفق قواعد مهنية وضوابط قانونية وأخلاقية”.

ويرى عادل الزبيري الصحافي السابق بقناة العربية “أن استدعاء مؤثرين من طرف بعض المسؤولين وصناع القرار السياسي ظاهرة غير مستحبة، لأنها تعطي قوة سلبية للسطحيين للمشاركة في الترويج للسياسات العمومية. ففي المجتمعات الواعية في أوروبا وفي أمريكا الشمالية، جرى الفصل في الوعي الاجتماعي بين الصحافة التقليدية وبين وجوه تقول أي شيء وتعلن للناس أنها تقرر وتحدد وتصنع الرأي العام، للأسف الشديد في المغرب الرأي العام نسبيا بين يدي صناع المحتوى والمؤثرين، الذين من الممكن أن ينشروا أي شيء وفي غياب تام لأدوات التدقيق، مع جرعة كبيرة من التضخيم والتهويل، ووسط غياب لأي رقابة أو محاسبة قانونية “.

واعتبر الدكتور محمد عبد الوهاب العلالي أكاديمي في علم اجتماع الإعلام وعضو في شبكات ومراكز عربية ودولية للدراسات والبحث في قضايا الإعلام وأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط في لقاء مع موقع “صدى البرلمان” أن ظاهرة المؤثرين وصناع المحتوى تمثل أحد أبرز تجليات التحول الإعلامي في العصر الرقمي، حيث بات التأثير مرتبطاً بالفرد أكثر من المؤسسة. فالجمهور ينجذب نحو “الشخصية الإنسانية” بما تحمله من صدق وشفافية أكثر من انجذابه نحو المؤسسات الإعلامية الرسمية. ويُعزى هذا التحول إلى أزمة ثقة عميقة ترسخت خلال مسار تاريخي طويل في الإعلام الرسمي والتجاري، فالعلاقة بين المرسل والمتلقي أصبحت علاقة تفاعلية أفقية، تقوم على المشاركة وليس على التلقي الأحادي الذي ميّز حقبة الإعلام الجماهيري”.

ويضيف المتحدث ذاته أنه “في إطار التقارب الوسائطي الناتج عن التحولات التكنولوجية السريعة منذ تسعينيات القرن الماضي، استفاد المؤثرون من اندماج الصورة والصوت والنص وسهولة الإنتاج وانخفاض تكاليفه، مما مكّنهم من اقتحام مجال التأثير الجماهيري بوسائل بسيطة لكنها فعّالة. وقد أسهم هذا في زحزحة الحدود التقليدية بين الصحفي، والمُعلِّق، والمواطن، والمستهلك. ومع ذلك، فإن تأثير المؤثرين لا يعني انتهاء دور الصحافة، بل إعادة توزيع الأدوار داخل الفضاء العام الإعلامي. فبينما يحتل المؤثر مجال الحميمية والتعبير عن الذات وتحفيز التفاعل اللحظي، يحتفظ التلفزيون والصحافة بموقعهما في مجال التحقق والتحرير والتفسير بوصفهما حارسي القيم المهنية وأخلاقيات تداول المعلومات. 

وعلى مستوى التحليل البنيوي يرى محمد عبد الوهاب العلالي أستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال ” أن هذه الظاهرة تعكس الانتقال من مجتمع وسائل الإعلام الجماهيري، القائم على المركزية والتحكم البرامجي، إلى مجتمع المعلومات والمعرفة، القائم على الشبكات والتفاعل واللامحورية. ويُعد هذا الانتقال تجسيداً لتحول الجمهور من “متلقّ سلبي” إلى “فاعل اتصالي”، يشارك في إنتاج المعنى وتحديد الأجندة بدل الاكتفاء باستهلاكها”.

وحسب المتحدث فإن “الملاحظات الراهنة تشير إلى أن المؤثرين وصناع المحتوى نجحوا بالفعل في بناء قواعد جماهيرية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، مستفيدين من آليات التفاعل الفوري والشخصنة والقرب، وهي عناصر لا تتوفر بنفس الدرجة في الإعلام التقليدي. ومع ذلك، فالقول بأن تأثيرهم أصبح «أقوى» من تأثير الصحفيين يحتاج إلى تمييز بين أنماط التأثير ومناطقه، لأن البيئة الرقمية الجديدة أعادت تشكيل العلاقة بين الصحفيين المهنيين والنشطاء والمؤثرين داخل الفضاء العام الإعلامي. فالمؤثرون نجحوا في تحفيز المشاركة وبناء الثقة الفردية، لكن الصحافة التقليدية وخاصة التلفزيون، استمرت في احتفاظها بدور حارس البوابة ومرجعتيها القائمة على القيم المهنية وأخلاقيات تداول المعلومات، وهنا لا بد من التمييز بين “الصحفي المهني” و“نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي” باعتبارهما فاعلين مختلفين داخل المجال الإتصالي المعاصر”.

واليوم نلاحظ أن الشبكات التلفزيونية استعادت مكانتها وانفتحت رقمياً بفضل دورها في التحقق والتفسير وتصحيح الأخبار الزائفة. وهذا يعني حسب الأستاذ محمد عبد الوهاب العلالي ” أن التأثير في العصر الرقمي أصبح متعدداً وموزعاً وفي حالات كثيرة استقطابيا. فالمؤثر قوي في تحريك الرأي والمشاركة، لكن الصحفي قوي في الشرعية المهنية وحراسة الفضاء العمومي وعليه، فإن تأثير المؤثرين لا يلغي تأثير الصحفيين ولا يعوضه، وإنما يكمله. فالبيئة الاتصالية الراهنة تقوم على تعايش وظيفي: المؤثر يحفز الجمهور ويعبر عن نبضه، بينما الصحفي يضبط الإطار القيمي والمعلوماتي”.

وبخصوص استدعاء وزراء وسياسيين ورجال أعمال لبعض المؤثرين يرى الأستاذ العلالي “أن هذا الاستدعاء هو بهدف إيصال استراتيجياتهم التواصلية، وهذا السياق يرتبط بشكل وثيق بمحاولة استعادة الشرعية في مواجهة الرأي العام، فالشرعية المؤسساتية التقليدية لم تعد كافية في زمن تتسم فيه الجماهير بالتحليل والمساءلة والتفاعل. وبذلك يصبح الاشتغال مع المؤثرين نوعاً من “التفويض الاتصالي” المبني على الثقة الاجتماعية والشخصنة، وبديلاً عن الخطاب الرسمي الجاف. ويأتي هذا المسار أيضاً في ظل الوعي بتآكل الثقة في وسائل الإعلام التقليدية، حيث تراجعت مكانتها الوسيطية لصالح وسائط أكثر قرباً وشفافية، ما جعل السياسيين يدركون أن التواصل العمومي لم يعد ممكناً عبر خطابات من أعلى إلى أسفل، بل عبر قنوات أفقية ومفتوحة”.

وهذه الظاهرة حسب الأستاذ العلالي “تعكس وعياً بقوة الشبكة وبضرورة الوجود داخلها، لأن منطق السلطة اليوم يتحرك وفق معادلة: “من لا يظهر — لا يوجد”، ومن لا يوجد في الشبكة لا يمتلك قدرة التأثير في الإيقاعات العامة للرأي.

غير أن لهذه الاستراتيجية حدوداً ومخاطر، خاصة عندما يتعلق الأمر بمن لا يتقنون الاتصال. فالظهور غير المحسوب، أو الخطاب غير المهني، أو عدم فهم قواعد الفضاء الشبكي يمكن أن يتحول إلى أثر عكسي يعمّق فقدان الشرعية بدل استعادتها، ويجعل السياسي أو رجل الأعمال موضوع سخرية أو نقد بدل أن يكون موضوع ثقة أو إقناع”.

نجوم الويب المغربي… تألق وتتويج في محافل وطنية وعربية

الأكيد أن هناك بعض المؤثرين الذين نجحوا بدرجة امتياز في تطريز أثواب وعينا الجماعي، وأعادوا تصفيف أحجار الاعتزاز بالقيم الاجتماعية وكأنها أحجار ألماس.

مؤثرون كانت لها أيادي بيضاء علينا برقيهم الفكري والمعرفي والأخلاقي، تألقوا في المحافل الدولية ومنصات التتويج الوطنية، وتم منحهم عن جدارة صكوك الاعتراف ونياشين الثقة وأوسمة الاستحقاق الحقيقية والرمزية.

أمين رغيب أيقونة الويب المغربي…من مدون مغمور إلى رائد في التواصل الاجتماعي

جيناته العائلية أورثته حساسية ضد التملق والأقنعة، وربما هذا ما جعل أجندته الهاتفية تحتوي أرقاما منتقاة بعناية فائقة. كان مسكونا بحماس المنتصرين الذين يجدون لذة الحياة وحلاوتها في الفضول المعرفي والتنقيب العلمي لسبر أغوار عوالم الانترنيت السرية والعلنية.

مشوار حياته لم يكن مرشوشا بماء الزهر، فالفقر صقله على عجل، وجعله يختبر أوجاع الحياة قبل مباهجها. عصاميته وتربيته العسكرية أنضجته في عمر 13 عاما، حيث استطاع بنباهته أن يستكشف عوالم الويب الغائرة.

شغفه بعالم الإلكترونيات ورثه من والده الذي كان يشتغل بالقوات المسلحة الجوية الملكية بمصلحة الردارات الخاصة بالطائرات.

كان مهووسا وسخيا في تقاسم المعلومة وهذا ما جعله يقتني كاميرا مستعملة ب 15درهما من سوق الخردة ليتقاسم مع متابعيه بفرح طفولي خبرته الرقمية.

يعترف أن بداياته في عالم الويب لم تكن وردية، إذ تعرض للتنمر الالكتروني على هندامه وهيأته ولغته وحتى أثاث غرفة نومه الضيقة التي كانت جسر عبوره الفسيح نحو الشهرة وطنيا وعربيا.  فهو أول صانع محتوى مغربي يتلقى دعوة رسمية ليحاضر داخل أروقة البرلمان المغربي حول الأمن السيبراني، كما أن العديد من القنوات الإخبارية الأجنبية أصبحت تستضيفه للاستفادة من الخبرة الرقمية التي راكمها في عالم الويب.

يتابعه أكثر من 4 مليون في قناته باليوتيوب، وأكثر من 3 مليون على الفيس بوك وأكثر مليون في الانستغرام.

لا يتردد في نصح متابعيه وتنبيههم إلى خطورة التقاط الصور بالهاتف الذكي في سهراتهم وجلساتهم وداخل غرف نوهم، لأن هناك شبكات إجرامية تتصيد مثل هذه الصور وتبتز أصحابها وتخيرهم بين دفع المال أو الفضيحة العلنية.

ومن بين الطرائف التي صادفها أمين رغيب في اشتغاله كاستشاري معلوماتي “أن شخصا قام بإخفاء صور عشيقته في هاتفه داخل تطبيق مع “رمز سري” وقد شاهد محاضرة في قناتي على اليوتيوت حول كيفية إيجاد الصور في المواقع، وبعد اتباعه تعليمات المحاضرة تفاجأ هذا الشخص أن صوره الحميمية رفقة عشيقته تم اختراقها ونشرها في موقع إباحي”. كما “أن هناك زوجان اكتشفا بالصدفة صورها الحميمية بشقة مفروشة قاما باكترائها عن طريق تطبيق منشورة بموقع إباحي”.

يعتبر أول من صعد على منصة التتويج بالدرع الفضي والذهبي بالمغرب، كما حاز على جائزة رائد في التواصل الاجتماعي من سمو الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم حاكم إمارة دبي، وتم تصنيفه ضمن 100 شخصية قيادية في العالم العربي.

ثمار هذا النجاح ضاعفت أعداد وعدائية خصومه الذين تطاولوا على شرفه وصحة عقله و وطنيته، بل منهم من تجرأ على تهديده بسلامة عائلته. لكن هذه التهديدات لم تثنه عن مواصلة التألق المهني، حيث اعترف أن خصومه هم الذين زودوه بالكبريت والحطب ليشتعل ويشتغل، كما أكسبوه مناعة نفسية ضد الكلام الملغوم لأنه تعلم من قصص طفولته أن الأشرار لا يفوزون في نهاية القصة، وأن شماتة العدو أشد فتكا من رصاصة.

إحسان بنعلوش …من قمة الخجل إلى خطيبة فصيحة أمام قادة العالم

فصيحة دون جهد، مثقفة دون استعراض، أنيقة دون بهرجة، تتحدث بمرح وشاعرية ومسحة حياء، صادقت الكتب والأوراق والأقلام الملونة، لأنها كانت واثقة أن الدبابيس لن تمزق أثواب أحلامها في أن تمتهن مهنة البحث عن المتاعب.

في عمر السادسة، كانت تتقمص شخصية مذيعة الأخبار بميكروفون وهاتف ذكي لتصنع سعادتها الطفولية، لكن صديقاتها المشاكسات اللواتي تقاسمت معهن مقاعد الدراسة تنمروا عليها وسخرن من حلمها في أن تصبح يوما ما مذيعة تلفزيونية يشاهدها الملايين.

رغم أنها كانت بارعة في حل المعادلات الرياضية واستيعاب التفاعلات الفيزيائية، إلا أنها كانت مفتونة بتأملات الإمام الشافعي ورومانسية نزار القباني وسفريات وخواطر أحمد الشقيري.

حكايتها مع عالم السوشيال ميديا أشبه بحكاية سندريلا التي أهدتها الساحرة الطيبة عربة ذهبية تجرها بالخيول، لتنطلق الى موعدها مع القدر. قدر تصفية حسابها التاريخي مع أصفاد الخجل. فهي لم تكن تجرؤ على التحدث أمام أساتذتها أو إسماع صوتها الهامس في الحصص الدراسية، اكتفت فقط بدور الكومبارس أو المتفرجة رغم أن علاماتها كانت تصنفها ضمن المتفوقات.

كانت مقتنعة اقتناعا رياضيا أنه بعد مشوار البكالوريا ستفتح حقيبة أحلامها وتكتب شهادة ميلاد للصحافية المشاكسة التي استوطنت قلبها، وتقمصت دورها أمام مرآتها الخاصة أو أمام والديها بمريولها المدرسي الأبيض.

قبل دراستها أبجديات العمل الصحافي بمؤسسة خاصة بالإعلام ارتأت أن تكسر أصفاد الخجل بنشر فيديوهات قصيرة فقط لتستأنس بالكاميرا والميكروفون. فهي حسب تصريحها “لم تكن تدري في البداية أن هذه الفيديوهات ستلقى صدى إيجابيا ومشجعا لدى المشاهدين الذين استحسنوا ضحكاتها الصافية ولغتها العربية الفصحى الممزوجة باللهجة العامية المغربية وبلكنة ريفية محببة، فجمهورها لم يقتصر على المغرب فقط بل امتد ليشمل حتى بعض الجنسيات العربية”.

تحظى بمتابعة أزيد من مليون على شبكة اليوتيوب و 4 ملايين متابع على منصة الانستغرام.

تم تتويجها بجائزة أفضل مؤثرة في الوطن العربي للاتصال الحكومي، وتم منحها صفة سفيرة للنوايا الحسنة لدى الاتحاد الأوروبي بالمغرب.

تشتغل مع عدة منظمات ومؤسسات حكومية وغير حكومية لتنظيم مبادرات إنسانية تدعم الفرد والمجتمع.

طه إيسو… حفيد ممون القصر الملكي الذي فضل الأسفار على الطبخ

شخصيته مزيج متناغم من الطيبة والهيبة، ابتسامته كانت جواز مروره إلى قلوب وعقول معجبيه. أخفى جذور شجرة عائلته واكتفى بلقب “إيسو “بدل لقبه العائلي  السولامي خشية أن يتهمه الحاقدون أن حبال شهرته انتعشت بصيت جده الراحل الملياردير رحال السولامي أيقونة الطبخ المغربي وممون القصر الملكي، والذي حاز على الوسام الملكي من الملك الراحل الحسن الثاني بعد مؤثمر “الغات”.

يعتبر طه إيسو أول يوتبور مغربي ينضاف إلى حسابه 60 ألف متابع في ظرف 3 أشهر. والآن متابعوه في اليوتيوب قاربوا 3 ملايين وفي الانستغرام  أكثر من 3 ملايين. 

فيديوهاته عبارة عن كبسولة متقدة من الطاقة الإيجابية والمرح. يعترف أنه “في طفولته كان يحلم أن يصبح لاعب كرة قدم لكن إصابته في ظهره حالت دون استكمال حلمه. وهذا ما يبرر حرصه على حضور معظم التظاهرات الرياضية للمنتخب المغربي سواء في قطر أو في الكوت ديفوار، وأيضا إجرائه حوارات مع رياضيين معروفين أمثال الحارس ياسين بونو وأيوب الكعبي وغيرهم…”.

يعشق السفر وتستهويه روح المغامرة، فبعد استكمال مشواره الدراسي بفرنسا وإنجلترا حمل حقائبه الجلدية وجواز سفره ليستكشف جغرافية وثقافة أكثر من 51 دولة.

يعتبر أن “الغاية الأساسية من نشر فيديوهاته هي تحفيز الشباب والجيل الصاعد على التفاؤل والطاقة الإيجابية، والاهتمام بالصحة الجسدية تطوير المهارات الفكرية والثقافية والاجتماعية وتنمية الذات…”.

مصطفى الفكاك الشهير بمصطفى سوينغا…من حلبة السيرك إلى دروب الشهرة

نقش اسمه بحروف بارزة في فضاء الويب الأزرق، مصطفى الفكاك أو الشهير بمصطفى سوينغا كان بارعا في لغة الأرقام وأبجديات الفيزياء، وبعد حصوله على شهادة تقني متخصص في مجال المعلوميات اكتشف أن طموحه المهني أكبر من موظف براتب 2000 درهم في الشهر.

قرر ولوج المدرسة الوطنية للسيرك بسلا حيث درس ميكانيزمات وفنون السيرك لمدة ثلاث سنوات، ليتخرج كفنان سيرك مؤدي ومخرج مسرحي متخصص في السيرك، إلا أن قلة العروض وصعوبة العمل في المغرب دفعته للبحث عن آفاق أخرى، وتوظيف موهبته في إنشاء الفيديوهات على شبكة الانترنيت، فأنشأ قناته الخاصة في موقع اليوتيوب باسم “آجي تفهم” والتي كان يهدف من خلالها تقديم فيديوهات تتضمن “نشر أفكار علمية وثقافية بطريقة إلقاء احترافية، وشروحات مبسطة لمواضيع غالبا ما تكون معقدة”، والمميز في هاته الشروحات أنها تقدم بلهجة عامية وبطريقة انسيابية حتى يستوعبها الجميع. الشيء الذي جعله يحظى بمتابعة بالملايين في موقع الفايسبوك، اليوتيوب والانستغرام.

الجميع يرى أنه رمز من بين رموز الشباب العصاميين والمجتهدين الذين شقوا طريقهم من وسط دروب حي شعبي نحو النجاح والطموح والتحدي، بل أصبح مثالا وقدوة يحتذى بها لمن أراد الإيمان بقدراته وبناء أعمدة مستقبله.

 حظي بإشادة وسائل الإعلام الوطنية لكونه يقدم معلومات ثقافية في كافة المواضيع بطريقة سهلة وسلسة وانسيابية  تجسد بشكل جلي مقولة “أسلوب السهل الممتنع والممتع”.

رائد بنزيدية…الطبيب الملقب بالسلطان سليمان

في بداياته انبهر المتابعون بفخامة القصر الذي يسكن فيه رائد بنزيدية، فهو تحفة معمارية متفردة تفنن المعماريون في تنسيق ردهاتها وأعمدتها وأسقفها بزخرف عربي أندلسي راق، فغرفة نومه يؤثثها سرير مزخرف بستائر حريرية وإطارات مذهبة وثريا نحاسية بمصابيح ملونة. وهذا ما جعل متابعيه ومحبيه يلقبونه بالسلطان سليمان.

رغم أنه ارستقراطي المولد إلا أن لم يفقد بريق تواضعه، فهو أنيق دون بذخ أو أبهة، يفك أزرار لسانه وقلبه ليبادلنا البوح والأسرار دون بروتوكولات رسمية أو كلمات منمقة ومزخرفة بل بملامح واثقة وكلمات صادقة ونوايا صافية.

منذ نعومة أظافره كان يحلم أن يدرس الطب وتحديدا جراحة القلب، إذ كان يستهويه اكتشاف عوالمه وأسراره. مرضاه يشهدون بنبله وحسه الإنساني والتواصلي، فهو يعتبر أن الكلمة الدافئة هي البلسم لشفاء المريض وطمأنته.

اكتشف متابعوه أنه من عشاق الطبخ والبهارات، كما أنه فارس إذ خاض في طفولته العديد من التصفيات الوطنية. تعلم من الادب الفرنسي الكياسة ومن اللغة العربية العمق ومن الطب الرحمة ومن الطبخ الشغف.

يعتبر متابعيه في الانستغرام عائلته الثانية خصوصا وأن أجندته تضم فقط بعض الأصدقاء. لأن تجارب المحيطين به علمته أن بعض الأشخاص لا ندري ما يخفونه خلف ظهر ابتساماتهم هل باقة ورد أم خنجر.

 احتضن هدايا الحياة بإيمان وامتنان. فهو دخل عالم التواصل الاجتماعي ليبرز أن الغنى ليس دائما هو الغنى المادي، بل الغنى الحقيقي هو غنى النفس بإشباعها بقيم التدين والتواضع والقناعة.

 في زحمة مهامه المهنية يخلع مئزره الأبيض المطرز باسمه كطبيب للقلب والشرايين، ليستمتع بإعداد أطباق مغربية وأوروبية أو بالدردشة على الانستغرام أو امتطاء الحصان.

 تستهويه السياسية والعمل السياسي باعتباره ينحدر من عائلة سياسية عريقة، اشتهرت بتواضعها وتشبتها بالقيم الأخلاقية والاجتماعية.

الممثل والمؤثر …من تفوز الشهادة الأكاديمية أم نسبة المشاهدة؟

أصبحت العديد من الأعمال الفكاهية والدراماتيكية بالمغرب تؤثثها وجوه مألوفة في عالم “السوشيال ميديا”، وقد تباينت الآراء بين مؤيد يرى أن الأمر يتعلق برؤية خاصة بالمخرجين والمنتجين، الذين لا يجدون حرجا في الاستئناس بأضواء شهرة المؤثرين حتى تلقي بوهجها على أعمالهم الفنية، ومعارض لا ينظر بعين الرضا إلى هذا الاستقطاب غير البريء، فهو أشبه بمحاولة تسلق سلالم خشبية بلا مسامير حديدية، أو شهادة أكاديمية أو موهبة فطرية.

 وهناك بعض الفنانين الذين لم يستسيغوا فتح أبواب الاستوديوهات ومنح مسودات سيناريوهات الأفلام والمسلسلات “بدون اختبار الكاستينغ” للوافدين الجدد بدون أية أوراق ثبوتية. فنانون نثروا بذور غضبهم علانية على صفحاتهم في “السوشيال ميديا”، واعتبروا أن بعض المؤثرين أصبحوا مثل نقار الخشب نتطلع إلى وجوههم في الإعلانات التجارية، نصادفهم بحقائبهم الجلدية الفاخرة في رحلات الأسفار المجانية، ونتحمل على مضض سطحيتهم في برامج تلفزيونية، وكأن بالونات المشاهدات المنتفخة تمنحهم أجنحة الفراشات الملونة وخفة السوبرمان لولوج أي مجال.

 بعض المخرجين أعلنوا راية الحرب على ولوج المؤثرين ميدان التمثيل، وعبروا بدون دبلوماسية أن التمثيل مهنة لها أصولها وطقوسها، ميكانيزماتها وأبجدياتها التي لا يدرك عمقها إلا الممثل الذي تمرس وتمرن وتأثر لدرجة الاستلقاء على الأريكة الوثيرة للعيادات النفسية، حتى يتحرر من أغلال الشخصيات التي تقمصها. فهناك ممثلون اعترفوا أنهم أتقنوا أدوارهم لدرجة أن تفاصيل الشخصيات التي جسدوها رافقتهم في فصول حياتهم العادية، ولم يستشعروا لحظة إسدال الستائر وإطفاء أضواء الكاميرات ومغادرة الاستوديوهات.

لا ننكر أن هناك بعض المؤثرين الذين منحناهم صكوك الاعتراف بموهبتهم التمثيلية رغم أنهم لم يجلسوا على مقاعد الدراسة لإتقان فنون التشخيص، ولم يرتدوا قبعة التخرج من فصول المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي. وهذا الاعتراف بذبذبات الموهبة بدل الشهادة الأكاديمية يحيلنا إلى جيل الرواد. جيل الأيقونات الفنية العصامية التي لم يكن في عهدها مدارس سينما ولا معاهد لدراسة التمثيل، ومع ذلك نجحت وتألقت. فالممثل الإيطالي روبر دي نيرو لم يدرس التمثيل وفاز بجائزة الأوسكار مرتين، وذلك بفضل موهبته وأيضا بفضل حرصه على التكوين على يد خبراء وأكاديميين متخصصين في لغة الفن السابع.

وهناك بعض المؤثرين الذين برزت حروف اسمهم ونفحات موهبتهم في العديد من الأعمال الفنية الكوميدية والدرامية، كالفنان المغربي ربيع الصقلي الذي اشتهر في بداياته بفيديوهات في الفيس بوك والانستغرام، وأدرك أن الشغف والموهبة والاجتهاد يمكن أن يجعلوا منه ممثلا متمكنا من أدوات اشتغاله. وبالمقابل هناك مؤثرون لم يستشعروا الفرق بين التصوير داخل غرف نومهم و الاستوديوهات، بين أبجديات التمثيل التي توظف نبرة الصوت ولغة العيون والإيماءات وبين جلسات البوح المرتجلة على منصات “السوشيال ميديا”، ليغادروا عند أول هفوة.

في هذا السياق صرحت النائبة البرلمانية الفنانة فاطمة خير ل”صدى برلمان” ” أن ولوج المؤثرين لمجال التمثيل لا يطرح أي إشكال، الإشكال الحقيقي هو افتقاد الموهبة والشغف والاحترام لميدان له خصوصيته وأصوله. كما أنه بالإضافة إلى الموهبة نحتاج إلى الدراسة والتكوين المستمر وتراكم الخبرة والمعرفة، فالممثل المحترف و المتمكن من أدوات اشتغاله الفنية والتقنية لن يتأثر بولوج المؤثرين لهذا المجال، لأن المسألة في جوهرها مسألة عرض وطلب، وهذا الأمر بيد المنتج والشركة المنتجة هي التي تقرر هل تحتكم إلى الموهبة والخبرة أم نسبة المشاهدة، وفي هذا السياق الحكم الحقيقي في نظري هو الجمهور، وهناك بعض المؤثرين الذين  اشتغلوا على أداءهم وأخذوا دورات تكوينية واستطاعوا أن يحجزوا مقعدا ضمن الصفوف الأمامية مع الممثلين المحترفين، عكس البعض الذين اختفوا بعد أول تجربة”.

أرباح المؤثرين  بين إغراءات البيزنس و النزاهة الأخلاقية

إن الإغراء الافتراضي وحياة البذخ والماركات العالمية، والسفريات أللمنتجعات وفنادق 5 نجوم التي يصورها لنا بعض المؤثرين، تجعلنا نعتقد أن حياتهم وردية بدون منغصات. لكن الأمر يتعلق في جوهره أحيانا بحملات ترويجية لا أقل ولا أكثر.

 فمؤثر عربي كشف أن”الحياة التي ينقلها هو وزملاءه غير حقيقية”، واعترف في لحظة بوح صادقة أن ” شركات تأتي وتمنحنا مبالغ مالية لنسافر إلى مناطق مختلفة، ونقدم إعلانات لما تقدمه هذه الشركات من منتجات وخدمات، حتى يشعر من يتابعنا أن الجميع يسافر و يخرج للتنزه و الشراء ما عدا هو، فيسعى إلى تقليدهم، و الحقيقة أن معظم الناس لا تسافر، حتى نحن في السفر لا ندفع من جيوبنا لأن الشركات تتكفل بذلك، فحتى الماء الذي نشربه أمام الكاميرا يندرج ضمن الإعلانات”.

لقد عرف اقتصاد المؤثرين في المغرب نموا ملحوظا في السنوات الأخيرة، خصوصا وأن المؤثرين ازدادت أهميتهم ضمن المنظومة التجارية الرقمية بالمغرب، واستنادا إلى دراسة أجرتها مؤسسة “ديجي ترينديز” بلغ حجم سوق التسويق عبر المؤثرين في المغرب خلال عام2024 حوالي 4.2 مليارات درهم، ويمثل هذا الرقم في السوق الاقتصادية حوالي 15في المئة من رقم المعاملات التجارة الإلكترونية في المغرب، وهذا يعكس الدور المتنامي للمؤثرين في استراتيجيات التسويق للعلامات التجارية.

 فبعض المؤثرين يتمتعون بالمصداقية نتيجة التفاعل العاطفي والإيجابي مع متابعيهم، وهذا ما يجعل الشركات الكبرى والماركات العالمية تلجأ إلى اعتمادهم في استراتيجيتها التسويقية، خصوصا وأن الأرقام أثبتت أن التجاوب مع الإعلانات التجارية يكون أكثر عندما يتم الاعتماد على شعبية وسمعة وبروفايل المؤثرين، الذين يصورون فيديوهات حقيقية من حياتهم اليومية أثناء حملتهم الإشهارية، عكس المشاهير الذين يمثلون الإعلانات بلغة متصنعة وباردة أحيانا.

إن ظهور مصطلح “اقتصاد المؤثر” أكد على الحاجة الملحة لوضع تشريع قانوني وضريبي حازم ينظم هذا المجال، وفي هذا الصدد أكد الخبير الاقتصادي ادريس العيساوي في تصريح لموقع “صدى البرلمان” أن المغرب بصدد تقنين نشاط المؤثرين مالياً وقانونياً عبر إدراج تدابير في قوانين مالية جديدة (مثل قانون المالية 2025)؛ تفرض عليهم الضرائب (30% على الدخل الرقمي)، وتصنيفهم ك”مصدرين للخدمات الرقمية” لمراقبة تحويلاتهم الأجنبية، وإلزامهم بالتصريح بالمداخيل، مع وجود توجه لفرض ترخيص إشهاري لمزاولة النشاط ؛وفرض عقوبات مالية وإدارية لمكافحة الإشهار المضلل، وذلك لضمان العدالة الضريبية وحماية المستهلك.

وأضاف الخبير العيساوي قائلا “لقد عملت السلطات العمومية المغربية منذ مدة على وضع الإجراءات المالية والضريبية الخاصة بتأطير نشاط القطاع. فنجد عددا من الضرائب الخاصة بهذا النشاط مثلا:

• ضريبة الدخل: فرض ضريبة تصل إلى 30% على مداخيل المؤثرين من الإعلانات والتعاونيات على المنصات الرقمية،.

وهناك مكافحة الإشهار المضل من خلال مشروع قانون يهدف إلى فرض عقوبات مالية وإدارية على الإشهار المضلل وحظر بعض المواد الترويجية.

وتوجد هنا تحقيقات قضائية حيث أن السلطات بدأت تحقيقات مع مؤثرين متورطين في الترويج لمواقع غير قانونية (مثل مواقع الرهان الرياضي)، مما يدل على تفعيل الرقابة.

ومن بين دوافع التقنين نجد العدالة الضريبية التي تسعى إلى تحقيق المساواة الضريبية مع القطاعات الأخرى وتوسيع القاعدة الضريبية.

وسجل العيساوي أن “هناك تنظيم لسوق الإعلانات الرقمية الضخمة التي كانت تعمل خارج الإطار القانوني. وموازاة مع كل ذلك فتعمل حماية المستهلك على مواجهة الإشهار المضلل وحماية الجمهور من الحملات غير المشروعة.

زمن هنا نرى بأن المؤثرين لا يمكنهم التملص من الرقابة لأن السلطات العمومية أحكمت الرقابة على الممارسين في هذا المجال. فبالتالي لا ينفع اللجوء إلى نظام المقاول الذاتي للاستفادة من الصلاحيات المخصصة لهذه الفئة من الفاعلين الاقتصاديين.

 بدءًا من فاتح يناير 2025.

• التصريح بالمداخيل: إلزامية التصريح بجميع المداخيل الرقمية الناتجة عن الأنشطة الربحية على المنصات الإلكترونية.

• مراقبة الصرف: تصنيفهم “مصدرين للخدمات الرقمية” مع مراقبة تحويلاتهم الأجنبية عبر مكتب الصرف، وإلزامهم بإعادة العملة الصعبة للمغرب في غضون 90 يومًا.

  وختم الأستاذ إدريس العيساوي تصريحه بأنه “من ناحية الإجراءات القانونية والتنظيمية يجب التذكير بأنه في مجال الترخيص هناك توجه لفرض ترخيص لمزاولة خدمات الدعاية والإعلان على المؤثرين، تحت طائلة الغرامات المالية.”

المغاربة وشبكات التواصل الاجتماعي

كشفت دراسة حديثة، أن 81 في المائة من المغاربة يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي، لكن بوتيرة مختلفة، مشيرة إلى أن هذا الاستخدام المكثف “لا يخفي وجود فجوة رقمية بين الفئات الاجتماعية، إذ ما يزال هناك من هم خارج المنظومة الرقمية”.
الدراسة التي أعدتها مؤسسة سونرجيا  بتعاون مع صحيفة “ليكونوميست” الناطقة باللغة الفرنسية، والمعنونة بـ”بارومتر مقياس وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب 2025: الذكاء الاصطناعي في قلب الاستراتيجيات الجديدة”، كشفت أيضا أن “الواتساب” يُستخدم من قبل 75 في المائة من المغاربة، منهم 95 في المائة يتصلون به يومياً، إذ يُعتبر التطبيق الأكثر جذباً للفئات العمرية بين 18-24 سنة بنسبة 88 في المائة، و25-34 سنة بنسبة 85 في المائة.

 وذكرت الدراسة أن دخول الذكاء الاصطناعي في ميزات التطبيق ساهم في تعزيزه كمحطة متكاملة للمحادثات والخدمات.
وأفادت نتائج الدراسة المنشورة على موقع سونرجيا”، أن موقع “الفيسبوك”، جاء في المرتبة الثانية بنسبة استخدام بلغت 62 في المائة، حيث يستخدمه الرجال بنسبة أكبر 66 في المائة كما يُستخدم بشكل واسع بين الشباب، خصوصاً فئة 18-24 سنة بنسبة 77 في المائة، والفئة بين 25-34 سنة بنسبة 72 في المائة.
أما “إنستغرام”، فاحتل المرتبة الثالثة بنسبة استخدام بلغت 42 في المائة، مع 86 في المائة من المستخدمين يتصلون به يومياً.

وذكرت الدراسة أن المنصة تحظى بشعبية كبيرة لدى النساء (51 في المائة)، كما تجذب الشباب بين 18-24 سنة بنسبة 89 في المائة، مشيرة إلى أن الفيديوهات القصيرة والذكاء الاصطناعي باتا عنصرين محوريين في جاذبية المنصة.
وفي سياق متصل، كشفت الدراسة عن دخول “يوتيوب” إلى التصنيف هذا العام، محتلاً المرتبة الرابعة بنسبة استخدام بلغت 40 في المائة، موضحة أنه يُستخدم خاصة بين الشباب من 18-24 سنة (50 في المائة) و25-34 سنة 48 في المائة.
وذكرت الدراسة ذاتها، أنه بالرغم من الاستعمال الكبير للأنترنت، إلى أن الفجوة الرقمية داخل المجتمع المغربي لا تزال مستمرة، مؤكدة أن نسبة غير المتصلين أو المنفصلين طوعا أو كرها تبقى مرتفعة بين كبار السن من 55 إلى 64 سنة (35 في المائة)، وفوق 64 سنة (47 في المائة)، وسكان العالم القروي (29 في المائة)، ما يطرح تحدياً حقيقياً أمام تحقيق الإدماج الرقمي الكامل.

المؤثرون المغاربة ورهانات التحدي

الأكيد أن التحدي الأكبر الذي يرهق أذهان المؤثرين وصناع المحتوى هو صياغة مضامين رقمية تزاوج بين الجدية والجاذبية، المعرفة والمتعة، التثقيف والترفيه، حتى تلامس قلب وعقل المتلقي الذي يملك رفاهية الانتقاء في عالم المنصات الرقمية.

هذا الأمر قد يخلق ضغوطات نفسية لدى بعض المؤثرين الذين يحرصون على التميز والتألق في العالم الرقمي، فرحلة صياغة وصناعة محتويات رقمية تبدأ أحيانا بالشغف لتتحول إلى عمل احترافي، يستند إلى الثراء الثقافي والإبداعي والحس المعرفي والتقني. وفي هذا الصدد أكد أمين رغيب أحد أبرز الوجوه المغربية في عالم اليوتيوب أنه “في بداياته أصيب بالاكتئاب، لأنه كان ينشر 3فيديوهات في الأسبوع بصفة منتظمة من 2009 إلى 2013، وهذا الأمر أرهقه جسديا وذهنيا، لأن التفكير في نشر مضامين جديدة وبأسلوب مهني أمر مرهق، كما أن التفاني في العمل عندما لا يتم تقديره من طرف المتتبعين يشعره بالإحباط والاكتئاب، خصوصا وأنه في البدايات كان يربط بين جودة فيديوهاته ونسبة المشاهدة، الآن  مع اكتساب الخبرة المعرفية والمناعة النفسية أصبح يركز على جودة محتوياته الرقمية بغرض تعميم الفائدة في المجال المعلوماتي”.

الأكيد أن الاحترافية تقتضي التركيز على جودة التأثير وليس قوة التأثير التي يكون مفعولها شبيها بحبيبات قهوة سريعة الذوبان. فجودة التأثير تنبثق من خلال التوظيف الجيد لمنصات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها لتسليط الضوء على الجوانب الإنسانية، الإبداعية والثقافية وبالتناغم الجميل بين الذات والفكر، النية والهدف، لبناء مجتمعات واعية ومثقفة وقادرة على التمييز بين الأصل والنسخة.

ومؤخرا عقدت قمة المليار متابع بدبي، للتأكيد على قوة تأثير المنصات الرقمية في بناء مجتمعات واعية، من خلال صياغة نسيج مجتمعي وفق رؤية شاملة تركز على المشاعر الإنسانية والمهارات التواصلية التي افتقدناها في وقتنا الراهن. ففيديوهات المؤثر السعودي خالد العليان حازت على إعجاب الملايين، لأنه ركز في صناعة محتواه على الجانب الإنساني، فهو في رحلته إلى المغرب لم يلتقط صور المعالم الأثرية أو الأطباق اللذيذة أو المناظر الطبيعية الساحرة، بل ركز على وجدان الإنسان المغربي وطيبوبته وكرمه ودفئه. على عكس بعض المؤثرين الذين ينسجون محتوياتهم دون أي عمق فكري أو وجداني، بل إن مؤثرا جزائريا وبدون حمرة خجل قرر الإعلان للعالم أنه تبول في عشب الملعب المغربي، ليتحول هذا الفيديو إلى فضيحة ب “جلاجل” كما يقول المصريون.  ربما حان الوقت لتوعية جماهير “السوشيال ميديا” وتذكيرهم أنهم يملكون حق الفيتو لنسف المحتويات التافهة، فقط بالتجاهل وعدم التفاعل. إذ لا يعقل أن يكون هناك تافهون نتابعهم بوفاء ونغدق عليهم أزرار الإعجاب بسخاء. فعندما “نرى الآلاف يتابعون شخصية تافهة في مواقع التواصل الاجتماعي، يستخف بهم ويتفاعلون معه، ندرك يقينا لماذا إذا جاء الدجال سوف يتبعه كثيرون”. لأنه كما يقول فيكتور هوغو “العقل كالحديقة، إذا لم تزرع فيه الزهور، نمت فيه الأعشاب الضارة”.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة